القاضي حسام عدنان الشحنة
سر بخشوع في حضرة حلب ،
دع خطاك تأخذك حيث تسري الحارات،
سلّم جوارحك فتقودك الأزقة العتيقة إلى ماضي الزمان،
تحكي لك قصص الأجداد، تستحضر الملاحم والبطولات ،
مهما عدت بالتاريخ تجد متسعا، حتى تكاد تصل لبدايته ،
فما زالت هنا روح الزمان خافقةً في ثنايا المكان،
أنصت، تسمع بين الجدران والأقواس العتيقة أشعار المتنبي وأبي فراس،
تتداخل أصداء التكبيرات وابتهالات المساجد مع رنين أجراس الكنائس القديمة،
تتردد خطى طلاب العلم حثيثةً نحو التكايا والمقامات،
في الأجواء ينسكب عبقٌ ساحر، فيه أثرٌ من كعك العيد، ومسحةٌ من صابون الغار، وعطر الكبّاد،
انظر هذا الحمامُ القديم كم سابق عصره ، وذاك الخانُ العتيق طالما التقت على عتباته قوافل التجار وتمازجت في فسحاته لغات الحضارات ،
لكن، ليس بعيداً ، وبينما تغفو الحارة بوداعتها وأمانها ، وفي ظلام الأزقة وعلى حواف الأنقاض التي خلفتها السنون وجحافل المعفشين الشبيحة، تتربص أطماعٌ غادرة شرهة،
عيونٌ ماكرة متلصصة تجوس الحي، ترصد الجراح كما ترصد الجوارح فريستها، تنتظر لحظة انكسار الساكن الذي أرهقه الفقر والعجز لتنقض على الحي المنهك،
أصابها سُعار الربح، فتجمعت تحت عناوين التعافي وإعادة الإعمار،
استغلت ضعف الحي و الأنقاض التي تركها المسؤولون جاثمةً على صدره لتضيق أنفاسه،
ما أكثر النخاسين بعد الحروب،
ما اكثر الصيادين،
ما أكثر المستغلين ،
كل شيء عندهم للبيع،
الدين ، التراث ، الكرامة ، هي تفاصيل صغيرة أمام الربح الفاحش ،
شيئاً فشيئاً يُنقَضُ غزل الأحياء القديمة، وشيئاً فشيئاً يندثر الحي،
تُسلبُ الأحجار العتيقة وقارَها، يُعاد صقلُها وطلاؤها بألوانٍ زاهية،
تتحول ديار العفة والكرامة إلى ساحات نراجيل وواجهاتٍ تُبتذل فيها حرمة المكان،
يهاجر الساكن من حارته المترعة بالذكريات ليلوذ بعلب باطون في أطراف عشوائيات جديدة، لتنشأ مأساةٌ إنسانية وعمرانية أخرى تطوق أحلام المدينة،
تنطفئ الروح في حلب القديمة،
ما عاد إحياؤها ممكناً ،
ما عادت احتفالات المسؤولين وابتساماتهم البلهاء أمام الكاميرات تغطي سوءَ نوايهم ، وسوأةَ فشلهم .
القاضي حسام عدنان الشحنة






