تستمر أسواق المعادن النفيسة في عام 2026 في تقديم مشهد من التقلبات الحادة والأداء الاستثنائي، حيث تتفاعل مع مزيج معقد من العوامل النقدية والجيوسياسية والهيكلية.
ويُسلط هذا التقرير الضوء على المحركات الرئيسية لتلك التقلبات، ويقدم لمحة عن التوقعات المستقبلية، كما يُدخل في صلب التحليل الرؤية التي قدمها الخبير الاقتصادي الدكتور فراس شعبو لقناة حلب اليوم، والتي تركز على “ضعف الثقة في النظام العالمي النقدي” كفكرة أساسية تفسر ديناميكيات السوق الحالية.
المشهد السعري الحالي: تقلبات حادة وارتفاعات قياسية
شهدت الأسابيع الأولى من عام 2026 تقلبات كبيرة في أسعار كلا المعدنين (الذهب والفضة)، مع تسجيل ارتفاعات تاريخية تلتها موجات بيع حادة، مما يؤكد طبيعتهما المتقلبة.
ووصل الذهب لمستويات قياسية حيث بلغ سعر الأونصة ذروته عند 5,595.42 دولار في نهاية الشهر الماضي 2026، وهو أعلى سعر على الإطلاق.
كما شهد الأسبوع الأول من الشهر الحالي 2026 أكبر تراجع يومي منذ عام 1983، حيث فقد الذهب 9.4% من قيمته في جلسة واحدة قبل أن يقفز بأكثر من 5% في اليوم التالي، متعافيًا من أدنى مستوى في شهر، يتداول حاليًا حول مستوى 4,906 دولار للأونصة.
في المقابل تفوقت الفضة على الذهب بأداء مذهل، مسجلةً ارتفاعات تاريخية متتالية الشهر الماضي، وتجاوز سعرها عتبة 93 دولارًا للأونصة، وفي منتصف الشهر لامس مستوى 121.64 دولارًا.
وبسبب حجم سوقها الأصغر، تظهر الفضة تقلبات أكثر حدة، فقد ارتفعت بنسبة 10.25% في جلسة واحدة مطلع شباط، بينما شهدت في وقت سابق انخفاضًا بنسبة 3.6% من ذروتها في كانون الثاني.
محركات السوق: لماذا تشتعل أسعار الذهب والفضة؟
يمكن تفسير الارتفاعات الحالية من خلال عدة عوامل مترابطة، تصب جميعها في الإطار الكلي الذي أشار إليه د. شعبو حول عدم الاستقرار العالمي.
ولفت إلى وجود عوامل داعمة للصعود (القوى الدافعة)، حيث يتوقع المستثمرون قيام الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة مرتين على الأقل خلال 2026، مما يضعف العائد على الدولار ويدعم المعدن الذي لا يدر عائدًا مثل الذهب.
كما تلعب التوترات الجيوسياسية دورا بارزا حيث تستمر الحروب والصراعات في أوكرانيا والشرق الأوسط في دفع الطلب على المعادن كملاذ آمن، فيما تواصل البنوك المركزية، خاصة في الأسواق الناشئة، شراء الذهب بمستويات قياسية (أكثر من 1000 طن في 2025) لتنويع احتياطياتها، وهو ما وصفه محللو مورغان ستانلي بأنه “لعبة ضد العملات الورقية”.
وهناك أيضا الطلب الصناعي على الفضة التي تحولت إلى معدن صناعي حيوي، حيث يقود الطلب من قطاعات الألواح الشمسية، والذكاء الاصطناعي، والمركبات الكهربائية النمو، وسط عجز هيكلي في المعروض إذ تعاني سوق الفضة من عجز مستمر بين العرض والطلب، مما يخلق أرضية داعمة للأسعار.
عوامل ضاغطة على الأسعار
يشير شعبو إلى العديد من العوامل الضاغطة على الأسعار وفي مقدمتها قوة الدولار المتقطعة حيث يؤدي ارتفاع قيمة الدولار أحيانًا إلى جعل الذهب والفضة أكثر تكلفة على حاملي العملات الأخرى.
وهناك ايضا المضاربة والرافعة المالية حيث يحذر محللون من أن جزءًا كبيرًا من الصعود الأخير مدفوع برؤوس أموال مضاربة و”متداولين ميم” (meme traders)، مما يزيد من مخاطر التصحيح العنيف إذا انعكست المشاعر.
ضعف الثقة
تشير الرؤية التحليلية للدكتور فراس شعبو إلى أن “الفكرة الأساسية… هي ضعف الثقة في النظام العالمي النقدي اليوم”، حيث يوجد هناك “ضعف ثقة في الدولار” مع “العمل على إضعاف قيمته” وهذا ما تفسره الأسواق من خلال توقعات خفض أسعار الفائدة الأمريكية، مما يقلل من جاذبية الاحتفاظ بالدولار.
كما أن الشراء القوي للذهب من قبل البنوك المركزية العالمية هو تجسيد عملي لهذا الضعف والبحث عن بديل، وفق شعبو.
كما أن “وجود ترامب، ووجود الحروب، وحالة الصراعات” تُترجم مباشرة إلى ما يُعرف بـ “علاوة المخاطرة” التي تدفع المستثمرين نحو الملاذات الآمنة، وهو ما يظهر في قفزات الأسعار المتزامنة مع الأخبار الجيوسياسية.
وحول توقعاته بشأن مستقبل الذهب فقد رأى الدكتور شعبو أنه “سوف يستمر في الصعود… على سلسلة طويلة”، وهذا ما يتوافق تمامًا مع قراءة المحللين الذين يرون أن التقلبات قصيرة الأجل لا تلغي الاتجاه الهيكلي الطويل للأمد، خاصة مع استمرار العوامل الداعمة من جانب العرض والطلب.
وتُظهر تقلبات أسواق الذهب والفضة في 2026 أنها ليست مجرد رد فعل على بيانات اقتصادية منعزلة، بل هي مؤشر أعمق على تحولات جذرية في الثقة بالنظام المالي العالمي، حيث يتفق المحللون على أن العوامل الهيكلية الداعمة للطلب (الشراء المركزي، الطلب الصناعي، البيئة النقدية) لا تزال قوية، ومع ذلك، فإن المستويات الحالية تجلب معها مخاطر متزايدة بسبب المضاربة والتقلب.






