في زلزال سياسي قلب موازين القوى في العاصمة الأمريكية، انتزع الحزب الديمقراطي السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ في انتخابات التجديد النصفي، منهيًا سنوات من الهيمنة الجمهورية على السلطة التشريعية.
وبينما ينصبّ التركيز التحليلي على الملفات الداخلية والمواجهة المرتقبة مع البيت الأبيض، يبرز سؤال جوهري في أروقة السياسة الخارجية: كيف ستنعكس هذه النتائج على الملف السوري، الذي شهد خلال الأشهر الماضية تحولًا جذريًا في التوجهات الأمريكية نحو دمشق؟.
وقال محمد علاء غانم الناشط الحقوقي والمستشار السياسي السوري-الأمريكي لقناة حلب اليوم، إن ما جرى هو أمر ضخم جداً، حيث إن الديمقراطيين انتزعوا الأغلبية في مجلس النواب ومجلس الشيوخ بفارق كبير حيث نتحدث هنا عن أغلبية كبيرة جداً في الكونغرس، فقد تعرض ترامب لهزيمة نكراء رغم أنه بذل جهوداً كبيرة.
لكنه أكد في المقابل أنه لا يشعر بأي قلق من التغيير الذي حدث فقد تم إنجاز العمل الأساسي الخاص بملف سوريا، معتبرا أن ما تبقى يعتمد على مهنية الحكومة في سوريا و مقدرتها الدبلوماسية، معربا عن أمله في إزالة كافة القيود عن سوريا.
وبدأت المفارقة تلوح في الأفق – وفق مراقبين – حول أن السياسة الأمريكية تجاه سوريا كانت قد بدأت تتشكل بسرعة كبيرة قبل الانتخابات، عبر مسار تنفيذي قاده الرئيس دونالد ترامب، شمل رفع العقوبات وإلغاء تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب، لكن مع انتقال السيطرة التشريعية إلى الديمقراطيين، ينتقل مركز الثقل في صناعة القرار المتعلق بالعقوبات وإعادة الإعمار من البيت الأبيض إلى أروقة الكونغرس، حيث يُتوقع أن يمارس الديمقراطيون دوراً رقابياً وتشريعياً أكثر صرامة.
ملف العقوبات بين “قيصر” والمراجعة التشريعية
خلال الأشهر الماضية، تحركت الإدارة الجمهورية بوتيرة متسارعة لتفكيك منظومة العقوبات المفروضة على سوريا، فقد أُبطل “قانون قيصر” الذي كان يفرض تدابير شاملة، وأُلغيت تصنيفات مرتبطة بالإرهاب، في خطوات وُصفت بأنها تهدف إلى فتح المجال أمام الاستثمار وإعادة الإعمار.
غير أن هذه الخطوات التنفيذية تحتاج في بعض جوانبها إلى غطاء تشريعي أو على الأقل إلى عدم معارضة الكونغرس، وبموجب النظام الأمريكي، فإن قرارات مثل إلغاء التصنيف تخضع لفترة مراجعة في الكونغرس (45 يوماً) قبل أن تصبح نافذة.
ويمتلك الديمقراطيون الآن القدرة على عرقلة أو تعديل أي توجهات مستقبلية لتخفيف أعمق للعقوبات، خاصة تلك المتعلقة بالملفات الحقوقية أو المساءلة عن جرائم الحرب.
ويعتبر غانم هذا التطور تاريخياً لأسباب كثيرة جداً، ليس فقط لأن أول مسلم في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية ينتخب لعضوية مجلس الشيوخ، وهو شيء لم يحدث من 250 سنة، ولكن لأن حجم المال الذي دفع في ميشيغن لهزيمة عبدالله بلغ أرقاماً مخيفة جداً بالإضافة لكل الهجوم العداء الذي أطلق من أطراف عدة.
وحول انعكاس تلك التطورات على الملف السوري، لفت غانم إلى أن الأمر ليس محدداً تماماً وبحاجة لشيء من التفصيل فبغض النظر عن الفائز في الانتخابات الأمريكية؛ هناك أمران يجب أخذهما بعين الاعتبار أولهما أننا أنهينا كل العمل الخاص بسوريا في الولايات المتحدة، كما انتهت العقوبات انتهينا، أما بالنسبة لتطبيع العلاقات فهناك رغبة أمريكية بافتتاح سفارة في سوريا وسفارة سورية في واشنطن.
ولفت إلى أن السوريين المؤثرين في واشنطن تعجلوا العمل على الدفع نحو رفع العقوبات لأنهم كانوا يعرفون أن الأمور تتغير في واشنطن وأضاف أنه – على عكس البعض – دائماً ما عمل مع الحزبين الجمهوري والديمقراطي.
إعادة الإعمار وفرص التمويل
يرتبط ملف إعادة الإعمار ارتباطاً وثيقاً بملف العقوبات والاستثمار، وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن كلفة إعادة بناء ما دمّرته الحرب في سوريا تتراوح بين 140 و345 مليار دولار.
ولجذب هذا التمويل، تحتاج دمشق إلى تطبيع علاقاتها المصرفية مع النظام المالي العالمي، وهو ما يتطلب استقراراً تشريعياً في واشنطن.
مع سيطرة الديمقراطيين، يُتوقع أن يكون الدعم لإعادة الإعمار مرهوناً بمزيد من الشروط، وقد أبدى بعض أعضاء الكونغرس من الحزبين سابقاً دعمهم لجهود “النهضة والتعافي” في سوريا وجذب الاستثمارات ، لكن هذا الدعم كان مرتبطاً بوجود إدارة جمهورية متحمسة لذلك، أما اليوم، قد يجد الديمقراطيون أنفسهم في موقع “المراقب المالي” وفق متابعين ووسائل إعلام أمريكية.
كما أن ملف “قانون قيصر” تحديداً كان يحظى بدعم واسع من الحزبين في الكونغرس لأسباب حقوقية، وإلغاؤه أو تجميد العمل به بشكل كامل من قبل إدارة ترامب قد يواجه الآن بمساءلة من لجان الكونغرس التي يسيطر عليها الديمقراطيون، مما قد يعيد بعض القيود إلى طاولة النقاش.
العلاقة مع الحكومة السورية
كان أحد أبرز التحولات في السياسة الأمريكية الانتقال من سياسة العزلة والضغط إلى سياسة التعاون المشروط مع الحكومة السورية الجديدة، لا سيما في ملفات مكافحة الإرهاب ومنع عودة تنظيم الدولة.
وقد أبدت إدارة ترامب استعداداً للتعامل مع الرئيس أحمد الشرع، واصفة إياه بشريك في “مكافحة الإرهاب” ومؤكدة على تلقيه “ضمانات بعدم تحويل سوريا إلى منصة للإرهاب”.
لكن الديمقراطيين كانوا تقليدياً أكثر حذراً في هذا الإطار، وقد يدفع الكونغرس الجديد نحو ربط أي تطبيع كامل مع دمشق بملفات عدة تحت عناوين مثل “حقوق الإنسان، والعدالة الانتقالية، وضمانات عدم استخدام القوة ضد المدنيين”، وغير ذلك.
ويرى مراقبون أن سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس لا تعني بالضرورة “عودة” كاملة لنظام العقوبات الشامل على سوريا، لأن جزءاً كبيراً من التخفيف تم عبر مسارات تنفيذية، لكنها تعني بوضوح أن واشنطن قد تتحول إلى “شريك أكثر صرامة في ملف إعادة الإعمار”، وأكثر حذراً في التطبيع الأمني.






