في خطوة مفصلية؛ أعلن مظلوم عبدي، القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مساء أمس، حل هذه المجموعة العسكرية بعد إتمام عملية دمجها في مؤسسات الدولة السورية، بموجب اتفاق سابق وقعه مع الرئيس أحمد الشرع.
جاء الإعلان في مؤتمر صحفي عُقد بالقصر الرئاسي في دمشق، بحضور قيادات من “قسد” سابقاً، ليضع حداً لمسيرة امتدت لأكثر من عقد.
النشأة والحرب الحرب على تنظيم “الدولة”
تأسست قوات سوريا الديمقراطية عام 2015 بمبادرة من الولايات المتحدة، عقب معركة جرت في منطقة عين العرب ضد تنظيم “الدولة”، حيث قالت إنها تبحث عن “شريك موثوق” في معركتها ضد التنظيم، وكانت النواة الأساسية للقوة هي “وحدات حماية الشعب” المرتبطة بحزب الاتحاد الديمقراطي PYD.
وبالنظر لارتباط الحزب المذكور مع حزب العمال الكردستاني PKK، فقد اتبعت “قسد” سياسات انفصالية تهدد وحدة الدولة السورية، كما اتهمتها تركيا بأنها عبارة عن فرع للحزب وواجهة في سوريا.
خاضت “قسد” المعارك البرية التي أسفرت عن هزيمة التنظيم إقليمياً في سوريا عام 2019، وذلك بدعم جوي من التحالف الدولي الذي ضم أكثر من 60 دولة، وكانت حينذاك في ذروة قوتها، حيث ضمت نحو 100 ألف مقاتل، وسيطرت على مساحات شاسعة في شمال وشمال شرق سوريا، بما فيها مناطق غنية بالنفط.
ومثلت هذه السيطرة دفعاً جديداً لمشروع “الحكم الذاتي” والمشاريع الانفصالية، لكنها اصطدمت برفض قاطع من السوريين وبواقع إقليمي لا يرحب بذلك وضعها على خط المواجهة المباشرة مع القوات التركية والجيش الوطني السوري في شمال البلاد، وأجبرها على التراجع والانكسار في عدة مواقع أبرزها عفرين وريف حلب الشمالي، ومنطبة عمليات “نبع السلام” الممتدة بين ريفي حلب والرقة على الحدود الشمالية للبلاد.
التحولات الكبرى: من “حليف” واشنطن إلى الاندماج في الدولة
شهدت الفترة التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024 تحولات جذرية في موازين القوى، وسرعان ما أعلنت واشنطن انفتاحها على الإدارة الجديدة في دمشق بقيادة الرئيس أحمد الشرع، وتغيرت سياساتها من الدعم المطلق لـ”قسد” إلى مطالبتها بالحل السياسي عبر الاندماج مع الدولة السورية.
وساهم الموقف الأمريكي بشكل كبير في الدفع نحو الحل، وقد تزامن ذلك مع هجوم عسكري شنه الجيش السوري في كانون الثاني الماضي، ردا على تجاوزات واسعة من قسد وتعنتها في القبول بالحل واستهداف المدنيين ومواقع الجيش عبر القصف المدفعي، خصوصاً في حلب، ما أسفر عن خسارة “قسد” مساحات واسعة من مناكق سيطرتها، بما فيها محافظتا الرقة ودير الزور، في وقت قياسي.
شكلت هذه التطورات منعرجاً حاسماً، دفعها إلى الجلوس على طاولة التفاوض، حيث اتبعت الدولة السورية نهجاً متسامحاً مع سياسة “النفس الكويل” رغم قدرتها على الحيم التام، وذلك تجنباً لإراقة الدماء وتهديد السلم الأهلي، حيث أسفرت المفاوضات عن اتفاق في 29 كانون الثاني 2026.
ونص الاتفاق على وقف إطلاق النار وبدء عملية تدريجية لدمج مؤسسات “قسد” العسكرية والمدنية في الدولة السورية، كما تضمن أيضاً بنوداً مهمة، أبرزها إعلان الرئيس الشرع مرسوماً يعترف بالحقوق القومية للأكراد ويجعل اللغة الكردية لغة رسمية إلى جانب العربية، بالإضافة إلى إلزام “قسد” بطرد جميع العناصر غير السورية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني.
لحظة الحل: “انتهت المهمة”
في كلمته، قال مظلوم عبدي أمس: “نعلن اليوم انتهاء مهمة قوات سوريا الديمقراطية، ونعلن بكل مسؤولية حلها كقوة عسكرية مستقلة”، مضيفاً أن ذلك يأتي تتويجاً “لاستكمال عملية دمج قواتنا في تشكيلات الجيش السوري”، وأشار إلى أن هذه الخطوة تهدف إلى الانتقال “من حقبة السلاح إلى حقبة السلام وبناء سوريا الجديدة التي تتسع للجميع”.
ويُعد حل “قسد” انتصاراً استراتيجياً كبيراً للحكومة السورية التي تسعى منذ التحرير إلى بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية، وحل جميع الملفات بأقل كلفة ممكنة.
وقد رحب المبعوث الأمريكي الخاص توم باراك بهذه الخطوة التي رآها “تاريخية”، واصفاً إياها بأنها “ما يعنيه التكامل الحقيقي: جيش واحد، وحكومة واحدة، ودولة واحدة”.






