في خطوة تاريخية تعكس تحولاً جذرياً في سياسة الدولة السورية، تمكنت دمشق من إغلاق ملف إرث البرنامج النووي الذي خلفه النظام البائد، عبر مسار طوعي قائم على الشفافية والتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والذي بلغ ذروته بزيارة المدير العام رافائيل غروسي إلى سوريا يومي 17 و18 آب الجاري.
ويُتوقع أن تختتم هذه الجهود، التي استمرت 19 شهراً، خلال دورة مجلس محافظي الوكالة في أيلول 2026، بإعلان امتثال سوريا الكامل لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ورفع تصنيف “عدم الامتثال” الذي ظل يطارد البلاد منذ عام 2011، مما يمهد الطريق لانفتاح جديد على الاستخدامات السلمية للطاقة النووية في مجالات الكهرباء والطب والزراعة، ويعزز مكانة سوريا الدولية ويعيد دمجها في منظومة التعاون النووي السلمي العالمي.
من الإخفاء إلى الشفافية
منذ سقوط النظام البائد في 8 كانون الأول 2024، اختارت الدولة السورية الجديدة نهجاً مختلفاً جذرياً عن سياسة الإخفاء والمراوغة التي ميزت التعامل السابق مع الوكالة.
وتمثل ذلك في مبادرة سيادية طوعية بالإعلان عن موقع ومواد نووية لم تكن معلنة سابقاً، ودعوة فرق الوكالة للمعاينة والتحقق ميدانياً، وتعاون فني مستمر مع الوكالة كجهة دولية مختصة لإجراء التقييمات والتحقق من طبيعة المواقع والمواد، والتزام بمعالجة الإرث وفق سيادة الدولة الكاملة على أراضيها، وبما يخدم المصلحة الوطنية.
رسمت دمشق مساراً تصاعدياً ومتدرجاً مع الوكالة، شمل – وفق وكالة سانا- محطات أساسية:
· كانون الثاني 2025: أول اتصال بين الحكومة السورية والمدير العام غروسي.
· نيسان 2025: زيارة فريق تقني للوكالة وتقييم مستشفى البيروني.
· حزيران 2025: زيارة غروسي وأخذ عينات للتحليل، وتوقيع مذكرة تفاهم في مجالي الصحة والزراعة.
· تشرين الأول 2025: مباحثات تحويل قلب المفاعل النووي من اليورانيوم عالي التخصيب إلى منخفض التخصيب، بمنحة أمريكية.
· آذار 2026: اكتشاف مواد نووية مشتبهاً بها وبدء المعالجة الوطنية.
· نيسان 2026: منح مفتشين دوليين تأشيرات استثنائية متعددة الدخول.
· 14 تموز 2026: زيارة غروسي إلى دمشق.
· 17 تموز 2026: توجيه سوريا رسالتها الرسمية إلى الوكالة بالإعلان عن الموقع والمواد غير المعلنة.
· 23 تموز 2026: توقيع اتفاق التنقيب في موقع دير الزور.
· 17 و18 آب 2026: زيارة ميدانية للموقع بقيادة غروسي.
طوي ملف “الكبر”
يعود جذر الملف إلى موقع “الكبر” شرق دير الزور، الذي يشتبه بأن النظام البائد أنشأه كمفاعل نووي غير مصرح به، وقالت تقارير إن المنشأة كانت مرتبطة بمفاعل لإنتاج البلوتونيوم، مما دفع الوكالة لتصنيف سوريا دولة “غير ممتثلة”.
واليوم، يشكل الكشف عن الموقع والعثور على مواد نووية، بالتعاون مع الولايات المتحدة والوكالة، محطة أساسية لمعالجة عناصر عدم الامتثال، وفتح الباب لرفع التصنيف.
أيلول 2026: الأفق المستهدف لإغلاق الملف
تستهدف سوريا إغلاق ملف عدم الامتثال خلال دورة مجلس محافظي الوكالة في أيلول 2026، حيث من المتوقع أن يطلع المجلس، عبر تقرير المدير العام، على التقدم الجوهري المحرز، وإعلان امتثال سوريا الكامل.
وبحسب الرسائل الرسمية، فإن حل الملف بات مبرره القانوني منتهياً، وتعمل الحكومة السورية مع شركائها الدوليين على إنهائه، بما يفتح الباب أمام دورة جديدة للاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
ويحمل هذا الإنجاز دلالات عديدة حيث أتثبتت سوريا قدرتها على إدارة ملفاتها السيادية بكفاءة وشفافية، وفرض إرادتها في التعامل مع إرث الماضي، وبناء الثقة الدولية والتعاون مع الوكالة والولايات المتحدة بما يعزز ثقة المجتمع الدولي بسوريا، ويفتح آفاقاً للشراكات.
ويمهد ذلك الطريق نحو الاستخدامات السلمية للطاقة النووية في مجالات الكهرباء والطب والزراعة، مما يساهم في التنمية وإعادة الإعمار.





