في مشاهد تعيد إلى الأذهان سنوات الحرب، تغرق قرى وبلدات ريف إدلب الجنوبي والشرقي في ظلام دامس مع حلول المساء، حيث يعاني أكثر من مئة قرية وبلدة من انقطاع شبه كامل للتيار الكهربائي، في وقت تعول فيه الأسر العائدة على الخدمات الأساسية لاستئناف حياتها الطبيعية.
يعكس هذا الواقع المرير حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية الكهربائية جراء سنوات التهجير، إذ خرجت ست محطات كهرباء رئيسية في ريف إدلب الجنوبي عن الخدمة بالكامل، وهي محطات “سراقب، معرة النعمان، بسيدا، البارة، خان شيخون، وسنجار”، والتي كانت استطاعة بعضها تصل إلى 60 ميغاواط.
وفي ظل هذا الغياب، تعتمد المنطقة حالياً على تغذية هزيلة تأتي من محافظة حماة عبر محطة الشريعة، بخط توتر 20 كيلو فولت وباستطاعة قصوى لا تتجاوز 8 ميغاواط، وهو ما لا يلبي الحد الأدنى من احتياجات السكان في الريف الجنوبي.
أما مدينة سراقب وريفها بالريف الشرقي فتعاني من غياب كامل للتيار حتى اليوم، مما دفع السكان للجوء إلى الطاقة الشمسية لتغطية احتياجاتهم وذلك حتى في تغذية المياه للزراعة والمحلات الصناعية، في ظل واقع خدمي هش وبنية تحتية شبه معدومة.
وبعد غياب طويل غير معلوم الأسباب، أعلن وزير الطاقة محمد البشير، منذ نحو أسبوع، انطلاق مرحلة جديدة لإعادة تأهيل شبكة الكهرباء تمهيداً لإعادة التيار تدريجياً إلى أحياء المدينة، فيما لا بزال السقف الزمني لإتمام المشروع غير معروف، كما لا يزال الوضع في قرى المدينة المحيطة بها غامضاً.
وتنعكس أزمة الكهرباء بشكل مباشر على تفاصيل الحياة اليومية، حيث يعيش كثير من السكان وسط الأنقاض، لعدم وجود مأوى، فيما ضاغف غياب الكهرباء المعاناة اليومية.
وفي قطاع الزراعة، يشكو المزارعون من عدم قدرتهم على تشغيل مضخات المياه لري الأراضي، ما يزيد معاناة الفلاحين ويحد من فرص إحياء الزراعة التي تعاني مشاكل جمة بسبب تقلبات المناخ وارتفاع التكاليف.
ورغم لجوء الفلاحين إلى ألواح الطاقة الشمسية، إلا أن قدرة تلك المنظومات على تأمين الري لا تزال محدودة مقارنة بالتيار الكهربائي ثلاثي الطور والذي لا يزال مقطوعا منذ 14 عاماً، خصوصاً في ظل تقلبات الجو وانتشار الغيوم.
وفي المنازل يلجأ الأهالي إلى ألواح الطاقة الشمسية التي تحتاج إلى البطاريات بخلاف المحلات الصناعية والمشاريع الزراعية، حيث تعتبر البطاريات مكلفة مع الاضطرار لزيادة حجمها وعددها خلال فصل الشتاء عندما تقل ساعات سطوع الشمس، كما باتت بطاريات الليثيوم تلقى رواجاً إلا أن سعرها المرتفع يجعلها خارج متناول الشريحة الكبرى من السكان.
ويعتمد آخرون على المولدات الخاصة التي ترهق ميزانياتهم المحدودة بارتفاع أسعار الوقود، خصوصاً في المحلات الصناعية التي تحتاج لتيار بقدرات كبيرة، كالمخارط والآلات الصناعية والمصانع والورشات.
ويقول مسؤولون إن إعادة تأهيل البنية التحتية بالكامل تحتاج إلى ما لا يقل عن عامين، كما أن إنشاء محطة توليد جديدة في المنطقة يحتاج لمدة لا تقل عن ذلك، فيما لا يزال العائدون إلى قراهم المدمرة يواجهون تحدياً مزدوجاً يتمثل في إعادة بناء المنازل مع غياب الطاقة ما يجعل العودة ناقصة، رغم مضي ما يقرب من عامين على التحرير.






