مع اقتراب شهر رمضان المبارك، تدخل الأسواق السورية دوامة جديدة من ارتفاع الأسعار، في مشهد يتكرر سنوياً لكنه يزداد حدة مع تراكم الأزمات الاقتصادية وانهيار القدرة الشرائية للمواطنين. حيث تشير المعطيات الرسمية وشهادات المواطنين والتجار إلى أن المائدة الرمضانية باتت تشكل عبئاً ثقيلاً، في ظل تداخل عوامل داخلية وخارجية تعيد تشكيل خريطة الاستهلاك.
وتكشف الجولات الميدانية في الأسواق بمختلف أنحاء البلاد عن قفزات كبيرة في أسعار المواد الغذائية الأساسية، حيث سجلت اللحوم الحمراء أرقاماً قياسية، إذ ارتفعت على نحو مفاجئ بنحو (25 – 30) في المائة لمختلف الأنواع وفي كافة المحافظات. وقبل ذلك ارتفعت أسعار الفروج والبيض، كما زادت الخضار والفواكه والأرز بل حتى زيت الزيتون والزيتون والجبن وعموم المواد التموينية.
وقال أدهم قضيماتي، الخبير الاقتصادي السوري، لحلب اليوم، إنه من الطبيعي أن نشهد تذبذباً في أسعار السلع، متوقعاً أن يستمر هذا الوضع خلال 3 سنوات في فترة ما بعد التحرير، مرجعاً ذلك لعدة أسباب أهمها التغير في سعر صرف الليرة السورية وتعديل الأنظمة والقوانين وبالتالي التغير في الأسعار، وأيضاً تغير المناخ الاستثماري المتعلق بالإنتاج والاستيراد والتصدير.
وأضاف: “نحن نتحدث عن إعادة هيكلة الاقتصاد السوري من جديد، وعليه فمن الطبيعي أن نشهد تذبذباً في الأسعار”.
وفي استطلاع أجرته القناة وصف العديد من السكان الأسعار بأنها مرتفعة و”خيالية” وغير منطقية بالمقارنة مع الدخل، وألقى العديد منهم باللوم على التجار، فيما قال التجار والباعة إنهم يرفعون أسعار المواد بقدر ما ترتفع من مصادرها.
أسباب متشابكة: من الطلب الموسمي إلى العوامل الهيكلية
لا يمكن اختزال أسباب هذا الارتفاع بعامل واحد، بل هي حصيلة تداخل عدة عناصر محلية وعالمية. وفي هذا السياق، يرى الخبراء أن ما يحدث هو نتيجة تداخل عوامل هيكلية وظرفية.
وقد اعتاد السوريون على ارتفاع الأسعار مع اقتراب رمضان من كل عام، لكن هذا العام شهد ارتفاعات غير مسبوقة، وهو ما يعزوه البعض لقرارات منع الاستيراد التي أعلنت عنها الحكومة مؤخراً، وشملت الفروج والعديد من المواد الأساسية من أجل حماية المنتج.
أما بالنسبة لما يجب على الحكومة فعله، فيرى قضيماتي أنه يتمثل في ضبط الأسعار وتفعيل أدوات الرقابة بشكل فعلي وحماية المنتجين والمستهلكين بنفس الوقت، مؤكداً أنه “من أهم وأصعب المهام المتعلقة بالحكومة”.
ويعاني منتجو المواد الغذائية مثل المربين والمزارعين من غلاء المدخلات الأساسية، خاصة الأعلاف والمحروقات والطاقة الكهربائية والأسمدة وأجور النقل والمحروقات، مما دفع كثيرين إلى تقليص نشاطهم أو ترك مجالات عملهم.
ويعزو العديد من السوريين ذلك الارتفاع إلى “جشع التجار”، فيما تتجه الحكومة السورية إلى “اقتصاد السوق الحر” الذي يعتمد قدراً أقل من التدخل في الأسواق، لكنه يحتاج – وفق مراقبين – لآليات رقابية فعالة وفرض تسعيرة موحدة.
المواطن بين مطرقة الغلاء وسندان تراجع الدخل
في ظل هذا الارتفاع الجنوني، يجد المواطن السوري نفسه عاجزاً عن تلبية احتياجاته الأساسية، بينما تشير بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن نحو تسعة من كل عشرة سوريين يعيشون تحت خط الفقر، ويعاني واحد من كل أربعة من البطالة.
ويلقي البعض باللوم على المستهلكين بسبب الإقبال الكبير على المواد الغذائية بشكل مبالغ فيه، الأمر الذي يرفع الطلب على تلك السلع ويعطي الفرصة للتجار لرفع أسعارها. لكن الخبير الاقتصادي السوري يرى أنه لا لوم على المستهلك، “فهناك ضغوطات اقتصادية تتحكم في ميل المستهلكين لسلع دون أخرى، ونحن في الأساس كشعب سوري نعتبر شعباً مستهلكاً إلى درجة كبيرة، ولا ننسى أن هناك عدداً من السوريين قد عادوا إلى سوريا، وبالتالي يمكن أن يكون هناك حجم أكبر للاستهلاك، كما يمكن أن يزيد في الفترة المقبلة”.
وقد تحولت ثقافة التموين الموسمي إلى الشراء بالأوقية أو القطعة الواحدة، حيث يعيش المواطن اليوم معركة تأمين الكفاف لأسرته، كما خرجت سلع كثيرة من دائرة الاستهلاك المعتاد لتتحول إلى “رفاهية”.






