وفد إلى الشمال السوري عشرات آلاف السوريين المرحلين من تركيا ولبنان، خلال الأشهر الماضية، جراء حملات الترحيل وتشديد القيود والقوانين، فضلا عن تغير الأوضاع الاقتصادية، واندلاع الحرب.
وعند وصول هؤلاء إلى المنطقة الهشة اقتصاديا وأمنيا، والتي تغص بالنازحين في أقصى شمال غرب البلاد، وجد معظمهم أنفسهم أمام تحديات كبيرة يعيشها أكثر من 90 بالمائة من السكان الذين يقبعون تحت خط الفقر.
ومع عدم تدخل الحكومة المحلية لدعمهم، سواء في إدلب أو ريف حلب، وضعف الاستجابة من قبل المنظمات المعنية، والتكاليف الكبيرة التي تكبدوها قبل أو أثناء الترحيل، كان عليهم “البدء من الصفر” مجددا، في منطقة تعاني الحصار والقصف وعدم الاستقرار وقلة فرص العمل.
يقول الشاب العشريني “غياث .ح” في حديثه لحلب اليوم، إن الحكومة في تركيا تواصل تشديد الشروط والقيود، ما يدفع الكثيرين للتفكير في مغادرة البلد، بالرغم من تأكيد كثير من الأتراك حاجة المجتمع لليد العاملة السورية، في شتى المجالات.
لكن المغادرين أو المُرحّلين قسرا سيجدون أنفسهم أمام واقع صعب في الشمال السوري، حيث تبلغ متوسط أجرة العامل اليومية نحو 100 ليرة فقط، بينما يتقاضى العامل السوري في تركيا المئات.
وتشكل أوروبا الوجهة الأولى التي يرغب السوريون في الذهاب إليها، من أجل الحصول على اللجوء، والتمتع بالاستقرار، لكن ذلك ليس متاحا للجميع، حيث يتطلب دفع أموال طائلة للمهربين، فضلا عن المخاطر والمتاعب الجسدية والنفسية الكبيرة التي يحويها الطريق في انتظار المهاجر، وتلك الأسباب مجتمعة دفعت الشاب “حسام. ع” من حماة، للعودة إلى الشمال الغربي من بلده.
يقول حسام، إنه لا يزال يرغب في المغادرة نحو أوروبا، لكن سنوات العمل الخمسة التي قضاها في تركيا، لم تمكنه من جمع المبلغ الكافي، والذي يتجاوز 7 آلاف دولار في كان الانطلاق من الأراضي التركية.
ويؤكد مراسل حلب اليوم في إدلب، أن إيجارات البيوت ارتفعت بنحو الثلث، خلال الصيف الماضي، وذلك جراء زياد الطلب الناجمة عن عودة عدد كبير من السوريين في تركيا، وأيضا لبنان، كما ارتفعت الإيجارات بنسبة أقل في ريف حلب الشمالي.
وبحسب صحيفة يني شفق، فقد بلغ عدد السوريين الذين “عادوا” من تركيا إلى بلادهم 132 ألفًا منذ بداية العام الحالي 2024 حتى آب الفائت، وذلك نقلا عن وزارة الداخلية.
وتوافد المزيد من النازحين السوريين القادمين من لبنان إلى الشمال السوري، مع استمرار القصف الإسرائيلي العنيف، بالتوازي مع موجات اللاجئين اللبنانيين إلى مناطق سيطرة الأسد.
وقد عاد عشرات الآلاف من السوريين عبر الحدود إلى بلدهم بسبب القصف الإسرائيلي، فيما حرص الكثير منهم على التوجه نحو الشمال السوري في قوافل جماعية، خوفا من البقاء في مناطق سيطرة الأسد.
وسبق ذلك حالات عودة كثيرة للاجئين سوريين من لبنان، خلال العام الحالي، بسبب تصاعد الضغوط عليهم.
ومع زيادة الطلب على السكن، وجد هؤلاء أنفسهم مضطرين لدفع إيجارات مبالغ بها، بعد رحلة نزوح طويلة استنزفت ما بحوزتهم من نقود، من لبنان حتى معبر أبو الزندين بريف حلب.
وبحسب فريق منسقو استجابة سوريا، فإن عدد الوافدين من لبنان إلى الشمال السوري تجاوز 2000 شخص، بسبب القصف الإسرائيلي، كما أن عدد الوافدين من لبنان منذ بداية العام الحالي يبلغ 4355 نسمة، أي أن المجموع يتجاوز 6400 شخص، وفق آخر التقديرات.
ومع عمليات النزوح الداخلي، التي تحدث مؤخرا، في العديد من القرى الواقعة قرب خطوط التماس في ريفي إدلب وحلب، تزداد الضغوط على المنطقة، حيث وصل عدد النازحين داخليا إلى نحو 8000 نسمة.
يقول “حسين .ف” إنه منذ لجوئه إلى لبنان عام 2013، لم يستطع جمع ما يكفيه لاستكمال رحلة اللجوء نحو أوروبا، فبقي هناك مضطرا رغم الضغوط الكثيفة التي تواجهه.
ومع الحملة الأخيرة على حزب الله، التحق الشاب الثلاثيني بقوافل اللاجئين اللبنانيين الذين توجهوا إلى سوريا، حاله حال آلاف السوريين، وذلك بعد فقدانه الأمل في تحسين أوضاعه بلبنان.
اضطر حسين لدفع مبالغ كبيرة لقاء أجور النقل داخل لبنان، وضمن مناطق سيطرة الأسد، وصولا إلى الشمال السوري، حيث كلفته تلك الرحلة أكثر من ألفي دولار أمريكي، مع أفراد عائلته البالغ عددها خمسة أشخاص، فيما لم يبق بحوزته سوى ألفين ونيّف.
يتساءل ما الذي بإمكانه فعله بهكذا مبلغ، مع ارتفاع التكاليف في الشمال السوري، وغلاء الإيجارات، وحالة الركود، بينما لا يُقارن الأجر اليومي مع ما كان يتقاضاه في لبنان، بالرغم من الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلد هناك.
وتتواصل مأساة اللاجئين السوريين في لبنان، مع استمرار الحملة الإسرائيلية على مواقع حزب الله، في جنوبي البلاد، ومع تلك الضغوط اضطر آلاف ممن كانوا يرفضون فكرة العودة، إلى التوجه نحو مدنهم وقراهم بالرغم من وجود خطر التصفية والاعتقال في أثناء المرور بمناطق سيطرة قوات الأسد.
وأمام هذا الواقع اختار الكثير التوجه نحو الشمال السوري، رغم أن عليهم دفع مبالغ كبيرة لضباط قوات الأسد من أجل السماح لهم بالمرور عبر الحواجز حتى الوصول إلى المحرر.
ولم تنته مأساة هؤلاء بمجرد الوصول، حيث وجدوا أسعار إيجارات عالية في انتظارهم، بينما أغلبهم من الفئة الفقيرة التي ربما لا تملك شيئا من المال، وفقا للشبكة السورية لحقوق الإنسان.
ومع تفاقم حالة الجشع، لم تسجّل أي محاولة من قبل حكومة الإنقاذ في إدلب، أو الحكومة السورية المؤقتة في ريف حلب، لوضع حد لظاهرة استغلال النازحين من قبل أصحاب العقارات.
وشهد عدد السوريين في تركيا، تصاعدا مستمرا، منذ نهاية عام 2011 وقد زاد بشكل كبير، عام 2016 عقب التدخل العسكري الروسي، واستمر التصاعد حتى بلغ العدد ذروته ربيع عام 2023 الفائت، حيث وصل إلى نحو 3.74 ملايين شخص، وفقا للبيانات والأرقام الرسمية.
ومع تتابع الحملات انخفض هذا العدد إلى 3.1 مليون سورياً مسجلاً تحت بند الحماية المؤقتة، وفق البيانات الصادرة عن إدارة الهجرة، عدا عن السوريون الذين يعيشون في تركيا بتصريح إقامة.
وبلغ عدد السوريين الذين “عادوا طوعًا إلى بلادهم” منذ العام 2016 وحتى اليوم 678 ألف شخص.
وتقول تركيا إنها بدأت بإنشاء “مناطق آمنة” في شمال سوريا عام 2016، بعد “تطهير منطقة مهمة من الإرهاب بالعمليات التي أطلقتها بعملية درع الفرات صيف عام 2016، وقد تم إجراء استثمارات في البنية التحتية والبنية الفوقية لإعادة الحياة إلى طبيعتها في المناطق الآمنة”.
لكن عدم وجود فرص عمل، يؤدي لاستمرار موجات الهجرة، التي تحاول القوات التركية منعها، وكانت مصادر إعلامية قد تحدثت عن اتفاق غير معلن مع هيئة تحرير الشام، لتنسيق الجهود وإطلاق دوريات مشتركة على الحدود من أجل ضمان إحباط كافة محاولات العبور.
يقول الرجل الأربعيني “محمود طه” إنه غادر الشمال السوري، عقب 3 محاولات لعبور الحدود وصفها بالمضنية جدا، حيث كان عليه أن يصعد الجبال ليصل الحدود رفقة المهربين، ثم يغامر باجتياز الأسلاك الشائكة، ليتم إمساكه مرتين من قبل القوات الحدودية التركية، واحتجازه، قبل إعادته لسوريا.
وعانى أوضاع وظروف قاسية، على مدى عشرين يوما، أنفق فيها الكثير من المال، فضلا عما دفعه للمهربين، فيما عليه الآن أن ينجو من حملات التفتيش المستمرة داخل تركيا، ويصل إلى الحدود الشمالية الغربية للبلاد، وهي مهمة أيضا صعبة.
باتت رحلة السوري الراغب في الهجرة نحو الأراضي الأوروبية مرهقة جدا، ومكلفة، ولكن لا خيارات أخرى متاحة، وفقا لمحمود، الذي يؤكد أنه لم يعد بإمكانه احتمال مصاريف أولاده الثلاثة، فضلا عن تأمين مستقبله قبل مستقبلهم، كما يقول.
يذكر أن 75% من الشبان في الشمال السوري يعانون البطالة، كما تصل في صفوف الإناث إلى 93%، وذلك بالنسبة للسكان المحليين، أما بالنسبة للمهجرين فترتفع نسب البطالة لتشمل نحو 90% من الشبان، و97% من الإناث، مع العلم بأن الكثير من الأعمال مؤقتة وغير مستقرة.