في أعقاب موجة واسعة من الجدل والتداول على وسائل التواصل الاجتماعي، أصدر مفتي الجمهورية العربية السورية الشيخ أسامة الرفاعي توضيحًا مطوّلًا بشأن ما أثير حول موقفه من قضية “الأشاعرة والسلفية”، وما نُسب إليه في لقاء جمعه بوفد إندونيسي، مؤكدًا أن ما جرى تداوله في بعض المواقع والمنصات لا يخلو من “الخلط والتضليل”.
واستهل المفتي حديثه بالإشارة إلى رسالة كان قد نشرها قبل يومين على وسائل التواصل، قال إنها كانت تهدف إلى “تبيين بعض النقاط التي كانت غامضة” في رسالة أخرى سُرّبت خلال لقاء مع وفد إندونيسي، وأوضح أنه كان يظن تلك الرسالة كافية “لتزيل كل لبس”، غير أنه تبيّن له لاحقًا الحاجة إلى مزيد من الشرح والتفصيل.
هيئة تحرير الشام… قراءة في المسار
توقف المفتي مطولًا عند تجربة “هيئة تحرير الشام”، مشيرًا إلى أنها أعلنت في أحد مراحل الثورة السورية تخليها عن أسمائها السابقة وما ارتبط بها من “قضايا التكفير والتشدد والتطرف”.
واعتبر أن هذه الخطوة تمثل نموذجًا لما سماه “أهمية المراجعة” في عمل الحركات الإسلامية والوطنية، داعيًا إلى “الوقوف عند كل مرحلة ومراجعة ما قُدّم، لعله يكون بحاجة إلى إصلاح أو تغيير أو تطوير أو إلغاء”.
وأشاد المفتي بما وصفه بـ”نجاح” الهيئة في هذا المسار، لافتًا إلى أنها “تركت الطريق الأول بكل ما فيه، وانطلقت نحو هدف تحرير البلاد من الظلم والفساد والطغيان والاستبداد”.
ضبابية ما قبل “ردع العدوان”
كشف المفتي أنه كان في فترة سابقة يشوب موقفه “شيء من التحفظ والترقب” نتيجة حالة “الضبابية القوية” والتشويش الذي رافق الحديث عن الهيئة، خاصة في الشمال السوري، وأوضح أن هذا التحفظ كان قبيل معركة “ردع العدوان”، لا عند تأسيس الهيئة كما فهم بعض المنتقدين.
وأشار إلى أن عددًا من علماء “المجلس” السوري زاروا قيادة الهيئة والتقوا الأخ أحمد الشرع في “جلسات طويلة”، وعادوا بـ”صورة حقيقية” مختلفة عما كانوا يذهبون به، واصفًا إياهم بأنهم نقلوا انطباعات إيجابية عن الأوضاع في إدلب.
وفيما يتعلق بالجدل حول استخدامه كلمة “الوهابية” في لقائه مع الوفد الإندونيسي، شدد المفتي على أنه “لا يتزلف ولا يبرر”، وإنما يضع الأمور في سياقها الحقيقي، وكشف أنه “لا يستعمل هذه الكلمة في دروسه ومحاضراته طوال ثلاثين عامًا”، مراعاةً لمشاعر “إخواننا السلفيين”، على حد تعبيره.
لكنه أوضح أنه اضطر لاستخدامها في اللقاء الإندونيسي لأن “الوفد لا يفهم غيرها”، في ظل انطباعات سابقة راسخة لدى أوساط إندونيسية بأن “الثورة السورية ثورة إرهابيين وهابيين”.
وقال إن هدفه من ذلك كان تصحيح هذه الصورة، وإيصال حقيقة أن “الوهابيين ليسوا إرهابيين، وأن الذين يحكمون سوريا هم من أهل السنة والجماعة”.
تحذير من “الفلول” و”الفتنة”
خصص المفتي جزءًا من حديثه للتحذير من حملات التشويه والاتهامات المتبادلة، مؤكدًا أنه “لا يعتب على إخوانه السلفيين مهما اشتد انتقادهم”، لكنه حذّر من جهات قال إنها “تتكلم باسم الأشاعرة وتسب السلفية”، أو “تتكلم باسم السلفية وتكفّر الأشاعرة”، معتبرًا أن كثيرًا منها “من الفلول” وليس من هذه المذاهب أصلًا.
واتهم هذه الجهات بأنها “تريد خرق الصف وإحداث الفتنة وزعزعة الأمن والاستقرار”، ونفى علمه بموقع يُسمى “سيف الشام” قال إنه نشر بيانًا عن لقاء مزعوم جمعه بالمفتي، مؤكدًا أن “هذا الأمر ليس له أساس من الصحة”، وأنه “لم يلتقِ بأي منهم”.
وفي سياق متصل، دافع المفتي عن مسعاه في “جمع كلمة أهل الدين وتوحيد الصفوف”، معتبرًا أن من ينتقد ذلك “لم يعرفه”، وأشار إلى أن هذا النهج يمتد من تراث الشيخ بدر الدين الحسني في القرن التاسع عشر، مرورًا بنماذج “التآخي” بين علماء الشام بمختلف اتجاهاتهم السلفية والصوفية والأشعرية، ومنهم الشيخ بهجة البيطار والشيخ عبد القادر المؤيد والشيخ عبد الرحمن الشاغوري.
ويأتي هذا التوضيح في ظل تصاعد الجدل حول العلاقة بين التيارات الإسلامية في سوريا بعد سقوط النظام البائد، وسط دعوات متكررة من المفتي إلى “التآخي والتعاون والتآزر” ونبذ “الفرقة والتمزق”، مؤكدًا أن بلاده “أحوج ما تكون إلى الاستقرار الأمني والسياسي والاجتماعي”.






