في تحليل معمق لتفاهمات دمشق وموسكو بشأن القاعدتين في حميميم وطرطوس، اعتبر العميد المتقاعد مصطفى فرحات أن الاتفاق الذي أُعلن عنه أمس لا يقتصر على ترتيبات تقنية، بل يمثل “إعادة تعريف للعلاقة بين سوريا وروسيا” في سياق تحولات إقليمية ودولية كبرى.
وأشار العميد في إفادته لقناة حلب اليوم، إلى أن الصيغة الجديدة، التي تنقل المنشآت المدنية إلى إدارة سورية وتحول القواعد العسكرية إلى مراكز تدريب مشتركة، تعكس رغبة دمشق في بناء علاقة متوازنة مع موسكو، تقوم على السيادة والمصالح المشتركة، بعيداً عن التبعية التي ميزت عهد النظام البائد، مع إمكانية تنويع مصادر التسليح والتدريب لتشمل تركيا ودولاً أخرى، في إطار استراتيجية وطنية لبناء جيش احترافي وقوة جوية حديثة.
من التبعية إلى الشراكة السيادية
أكد فرحات أن التفاهم مع روسيا “لا ينبغي اعتباره اتفاقاً تقنياً يتعلق بمستقبل قاعدتي حميميم وطرطوس فقط، وإنما يأتي في سياق أوسع بكثير يتعلق بإعادة تعريف العلاقة بين سوريا وروسيا وبالتحولات العميقة التي يشهدها الشرق الأوسط والنظام الدولي”.
وأوضح أن الانتقال من “القواعد ذات الوظيفة العسكرية الروسية المباشرة إلى صيغة مراكز التدريب والتأهيل المشتركة يمثل إعادة وصف العلاقة أكثر مما يمثل مجرد إعادة ترتيب لهذه المنشآت”، مؤكداً أن هذا التغيير “مهم جداً من ناحية السيادة، فهي لا تعني بالضرورة قطع العلاقة العسكرية مع الدول الأخرى، وإنما تعني أن تكون الدولة هي التي تحدد طبيعة هذا التعاون وحدوده ووظيفته”.
وربط فرحات الاتفاق بالتحولات الإقليمية، مشيراً إلى أن “الشرق الأوسط يمر بمرحلة إعادة تشكيل حقيقية”، حيث تواجه القوى الكبرى صعوبة في تحويل تفوقها العسكري إلى حسم سياسي، مما يتسع معه “مساحة المناورة أمام القوى الإقليمية والمتوسطة”.
واستشهد باتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، معتبراً أنه “يعكس صورة مهمة عن قدر أكبر من الحماية والمصالح ضمن ترتيبات لا تعتمد حصراً على المظلات التقليدية”. وأضاف: “سوريا الجديدة لا تريد أن تدخل في محور ضد محور، ولا تريد استعداء روسيا أو أي دولة، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تكون تابعة لأي طرف، وتحاول بناء علاقات متعددة تقوم على المصالح الوطنية السورية”.
فرصة لبناء القوة الجوية
في الشق العسكري، رأى فرحات أن تحويل القواعد الروسية إلى مراكز تدريب “يمثل فرصة أكبر بالنسبة لسوريا عبر تحويل الوجود العسكري المباشر إلى أداة لنقل الخبرة وبناء القدرات السورية”، وهو ما يتزامن مع “عملية إعادة بناء واسعة هدفها الانتقال من حالة الفصائلية التي فرضتها ظروف الحرب إلى جيش وطني مركزي محترف”.
وتحدث عن أهمية إنشاء الجامعة الوطنية للعلوم الدفاعية، والتي تعني أن “سوريا لا تعمل فقط على إعادة تشكيل الوحدات العسكرية، وإنما على إعادة بناء العقل العسكري والمؤسسي التعليمي”.
وفيما يتعلق بمستقبل التسليح، شدد فرحات على أن “مصلحة سوريا لا تختزل مستقبل قواتها الجوية في سؤال (روسي أم غربي؟)”، داعياً إلى طرح سؤال أكثر جوهرية: “كيف نبني قوة جوية سورية حديثة ومستقلة القرار؟”.
وأضاف أن “من الطبيعي أن تكون لروسيا فرصة مهمة في مرحلة إعادة التأهيل بسبب الخبرة التاريخية والبنية التي قامت عليها القوى الجوية السورية طوال عقود، لكن من غير المنطقي أيضاً أن تبقى مرتبطة بمصدر واحد إلى الأبد”.
ورجح العميد “أن يكون الاتجاه الأكثر واقعية هو تنويع مصادر التدريب والتكنولوجيا والتسليح”، مشيراً إلى أن “تركيا اليوم لديها تقنيات حديثة يمكن الاستفادة منها، وهي شريك وصديق للدولة السورية الجديدة بكل معنى الكلمة”.
ويعتبر اتفاق القواعد الروسية، كما حلله العميد فرحات، أكثر من مجرد إعادة تموضع للوجود العسكري الروسي؛ بل هو إعلان عن مرحلة جديدة في السياسة الدفاعية السورية، تقوم على تنويع الشراكات، وبناء قدرات وطنية، والانتقال من حالة التبعية إلى الاستقلالية في القرار العسكري وهو ما يتزامن مع تحولات إقليمية نحو ترتيبات أمنية أكثر استقلالية، ويضع سوريا على طريق بناء جيش وطني محترف، قادر على حماية سيادته، والاستفادة من خبرات متعددة.






