عبد الله علبي – صناعي وخبير في التنمية الصناعية
في لحظات التحول الكبرى، كالتي تمر بها سوريا حالياً، تكتسب بعض الزيارات واللقاءات الرسمية بعداً خاصاً، أكثر من كونها زيارة رسمية روتينية تنتهي ببعض الصورة التذكارية.
في هذا السياق، يمكن قراءة زيارة الوفد السوري الأخيرة إلى تركيا بوصفها إشارة مبكرة إلى تحول أعمق: انتقال محتمل من منطق التعاون التكتيكي إلى بناء شراكات صناعية ذات طابع استراتيجي طويل الأمد.
لطالما جرى اختزال التعاون الصناعي السوري – التركي في معادلة بسيطة: “الاستفادة من اليد العاملة السورية منخفضة التكلفة”.
ورغم أن هذا الطرح يحمل قدراً معقولاً من الواقعية، إلا أنه يبقى قراءة جزئية لا تلامس جوهر الفرصة المتاحة. فالقيمة الحقيقية لهذا التعاون لا تكمن في خفض كلفة الإنتاج، بل في القدرة على بناء منظومة صناعية متكاملة (Ecosystem)، تتداخل فيها الأدوار وتترابط عبر سلاسل قيمة عابرة للحدود.
هذا التحول في المقاربة، من “الإنتاج المعزول” إلى “الإنتاج المتكامل”، هو ما يحدد الفارق بين استثمار قصير الأجل، وشراكة اقتصادية قابلة للاستدامة.
فالمصنع، في هذا النموذج، لا يعمل بوصفه وحدة إنتاج منفصلة، وإنما كجزء من شبكة تشمل الموردين، والخدمات اللوجستية، والصناعات المغذية، ومراكز التدريب، وصولاً إلى الأسواق النهائية. وهنا تحديداً تبدأ القيمة المضافة الحقيقية بالتشكل.
ضمن هذا الإطار، تبرز المناطق الصناعية المشتركة السورية – التركية كأداة تنفيذية واعدة لترجمة هذا التوجه. فهذه المناطق، إذا ما أُحسن تصميمها، يمكن أن تتحول إلى منصات إنتاج عابرة للحدود، تستفيد من المزايا النسبية لدى الطرفين، وتعيد توزيع الأدوار ضمن نموذج تكاملي لا تنافسي.
في هذا النموذج، لا يقتصر دور المستثمر التركي على نقل خطوط الإنتاج، بل يمتد إلى بناء شبكات توريد محلية داخل سوريا، تُسهم في تغذية العملية الإنتاجية. وفي المقابل، تفتح هذه العملية الباب أمام المصانع السورية للدخول تدريجياً في سلاسل الإمداد التركية، سواء لتلبية الطلب الداخلي أو للوصول إلى الأسواق العالمية. وهكذا يتحول التعاون من علاقة قائمة على الكلفة، إلى شراكة قائمة على القيمة.
غير أن هذا التحول لا يمكن أن يتحقق من دون بنية تمويلية قادرة على مواكبته. فالمشاريع الصناعية، خاصة في مراحلها الأولى، تتطلب أدوات تمويل تتجاوز النماذج التقليدية. وهنا يبرز دور المؤسسات المالية، وفي مقدمتها المصرف الصناعي السوري، إلى جانب أدوات التمويل المهيكل، وتمويل سلاسل الإمداد، وتمويل التكنولوجيا والمعدات.
إن دور المصارف في هذه المرحلة يجب ألا يُختزل في تقديم القروض، بل يتعداه إلى المشاركة في بناء المنظومة ذاتها: من خلال تقييم المشاريع، وتوجيه الاستثمارات، وربط المشاريع الصغيرة والمتوسطة بمصادر التمويل، وتعزيز ثقة المستثمرين بالدخول في بيئة ما تزال في طور إعادة التشكل.
وعليه، فإن الرهان الحقيقي ليس في عدد المصانع التي يمكن إنشاؤها، ولكن في مدى قدرتها على خلق روابط اقتصادية داخلية وخارجية، قادرة على تحريك السوق، وتحفيز الصناعات المغذية، وخلق فرص عمل ذات قيمة مضافة.
من هنا، يمكن النظر إلى زيارة الوفد السوري إلى تركيا كبداية لمسار يتطلب ما هو أكثر من النوايا الحسنة: يتطلب برامج عمل واضحة، ومشاريع محددة، وسياسات داعمة، تضمن أن يتحول هذا التقارب إلى بنية اقتصادية متماسكة، لا مجرد سلسلة من المبادرات المنفصلة.
إن بناء شراكة صناعية سورية – تركية ناجحة يستدعي رؤية تتجاوز الحلول السريعة، نحو نموذج يقوم على التكامل، والثقة، وتوزيع الأدوار ضمن منظومة واحدة. وعندها فقط، يمكن لهذا التعاون أن يتحول إلى رافعة حقيقية لإعادة الإعمار، بل ويتجاوزه إلى المساهمة في إعادة تموضع سوريا على الخريطة الصناعية الإقليمية، بصفتها شريكاً منتجاً رئيسياً، وليس مجرد سوق أو مصدر للعمالة.





