جاء إطلاق مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026 تتويجاً لما وصفته بالمسار التشاركي الأول من نوعه في تاريخ البلاد، حيث استمر لأشهر وشارك فيه نحو ألف صحافي من مختلف المحافظات السورية، عبر 16 ورشة عمل ولقاءات نقاشية مكثفة.
وبحسب الوزارة فإن تلك الخطوة تكفل للصحافيين حق ممارسة عملهم بحرية واستقلالية، ورفض الضغوط التي تمس نزاهتهم، وتحميهم مهنياً طالما التزموا بالمعايير، كما تؤكد على حق الجمهور في الحصول على معلومات دقيقة ومتوازنة، وفي الرد والتصحيح عند وقوع أخطاء.
أهداف المدونة
تهدف المدونة إلى تحقيق جملة من الأهداف الرئيسية في مرحلة انتقالية دقيقة تمر بها البلاد، عبر تنظيم المشهد الإعلامي من خلال وضع إطار مهني وأخلاقي موحّد يضبط العمل الإعلامي بعد فترة من الانفتاح الكبير والفوضى في الخطاب، خاصة على وسائل التواصل الاجتماعي، كما تهدف – وفق معدي المدونة – لمواجهة خطاب الكراهية والمعلومات المضللة حيث تشكل “أداة أساسية لمكافحة المحتوى التحريضي والمعلومات الكاذبة التي تهدد السلم الأهلي والنسيج المجتمعي في سوريا”.
كما تهدف لحماية حرية التعبير وضبطها عبر تحقيق توازن دقيق بين ممارسة حرية التعبير كحق أساسي وبين المسؤولية المهنية والأخلاقية، لمنع تحول هذه الحرية إلى فوضى أو استخدام هدام، وإلى استعادة ثقة الجمهور بالإعلام السوري، بعد عقود من اعتباره إعلاماً تابعاً للسلطة، وذلك عبر “ترسيخ قيم المصداقية والشفافية والموضوعية”.
منهجية الإعداد والجهات المشاركة
تميزت عملية إعداد المدونة بمنهجية “من الأسفل إلى الأعلى”، حيث أكد القائمون عليها أن وزارة الإعلام لم تتدخل في صياغة أي كلمة منها، بل اقتصر دورها على توفير الدعم اللوجستي وتسهيل اللقاءات.
وتشكلت لجنة من 10 خبراء سوريين، غالبيتهم من الصحافيين المستقلين، إلى جانب ممثل عن الوزارة وآخر عن اتحاد الصحافيين، لتولّي المهمة الإشرافية على الصياغة، حيث شارك في النقاشات أكثر من 600 صحافي بشكل مباشر، ونحو 350 عبر المنصات الرقمية، من القطاعين العام والخاص والمستقلين، ومن مختلف المحافظات.
وقال المعدون إنهم استلهموا المدونة من تجارب دولية رائدة، مثل التجربة البريطانية في التنظيم المشترك، والنموذج الاسكندنافي في التصويب الطوعي، والمدرسة الأوروبية في المعايير الحقوقية.
وقد تسلمت الوزارة النسخة النهائية من اللجنة وتبنتها كما هي دون أي تعديل، ووقّع مديرو المؤسسات الإعلامية الرسمية على وثيقة الالتزام بها في حفل الإشهار.
المبادئ والمعايير الأساسية للمدونة
تتكون المدونة من 82 صفحة وعشر مواد، وتشمل معايير أخلاقية ومهنية تفصيلية، إضافة إلى ميثاق شرف وملحق خاص بصنّاع المحتوى، وقد صدرت بثلاث لغات: العربية والإنكليزية والكردية، وفيما يلي أبرز ما جاء فيها:
المبادئ المهنية الحاكمة
· الدقة والتحقق والموضوعية: تشدد على ضرورة التحقق من المعلومات قبل نشرها، والاعتماد على مصادر موثوقة، والفصل الواضح بين الخبر والرأي، وتجنب الإثارة والمبالغة.
· احترام الكرامة الإنسانية والخصوصية: تمنع التشهير أو التحريض أو الانتقاص من أي فرد أو جماعة، وتؤكد على حماية خصوصية الأفراد، خاصة في حالات الضحايا والقُصّر والفئات الهشة.
· دعم السلم الأهلي ونبذ خطاب الكراهية: تحظر أي محتوى يدعو إلى العنف أو التمييز أو الإقصاء، وتعتبر الإعلام شريكاً أساسياً في تعزيز التماسك المجتمعي.
· تنظيم الفضاء الرقمي: تولي اهتماماً خاصاً لوسائل التواصل الاجتماعي وصنّاع المحتوى، وتضع قواعد للتعامل مع المحتوى الرقمي وحماية البيانات الشخصية.
· الذكاء الاصطناعي: تُعد من أوائل الوثائق في المنطقة التي تضع إطاراً أخلاقياً لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام، داعية إلى الإفصاح عن مستوى الاعتماد عليه وضمان عدم استخدامه في إنتاج مواد مضللة.
آلية التطبيق والمساءلة
المدونة في صيغتها الحالية هي أداة التزام ذاتي وأخلاقي، ولا تحمل صفة الإلزام القانوني، وأكد وزير العدل مظهر الويس أنها “وثيقة استرشادية لا تشكل بديلاً عن القانون” .
وسيتم اعتماد المدونة كمرجعية استرشادية مرتبطة بإجراءات ترخيص المؤسسات الإعلامية ومنح البطاقة الصحفية، حيث سيتم إنشاء لجان تقنية ومنصات رسمية لتلقي الشكاوى ومعالجة التجاوزات، بناءً على مبدأ التصحيح والتقويم قبل العقاب، مع التركيز على الحلول داخل الوسط الإعلامي قبل اللجوء إلى القضاء.
وقد تقرر عقد مؤتمر سنوي للصحافيين السوريين في عيد الصحافة لمراجعة المدونة ومناقشة مستجدات المهنة وتطويرها.
ردود الفعل والانتقادات
أثار إعلان المدونة سجالاً واسعاً في الوسط الصحافي السوري، وانقسمت الآراء بين مرحّب ومتحفّظ.
وقد رحبت الحكومة السورية بتلك الخطوة معتبرة أنها تأسيسية وتمثل إنجازاً وطنياً يعزز المهنية ويحمي حرية التعبير، ورأى بعض الصحفيين المؤيدين لها أنها مهمة جداً في هذه المرحلة لتعزيز السلم الأهلي وضبط الخطاب.
في المقابل أعلنت رابطة الصحافيين السوريين رفضها القاطع للمدونة لأنها “صدرت عن وزارة الإعلام وليس عن هيئة مهنية مستقلة”، واعتبرت رئيسة الرابطة، مزن مرشد، أن ذلك “تدخل تنفيذي يقوّض مبدأ التنظيم الذاتي للمهنة” ويعيد إنتاج “منطق الوصاية على الإعلام”، كما أبدى صحافيون مستقلون تخوفهم من “تحول المدونة إلى أداة رقابية في المستقبل”، وطالبوا بأن تُبنى على قانون إعلام يصدر عن السلطة التشريعية أولاً.





