كشفت مصادر ميدانية وقوى أمنية تابعة لتنظيم قسد، هوية منفذي التفجيرات الانتحارية خلال المواجهات الأخيرة في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب، في إعلان يسلط الضوء مجددا على ممارسات تجنيد واستغلال الأطفال في العمليات القتالية.
وبحسب المعلومات، تبين أن المنفذين هم أربعة قاصرين، بينهم ثلاث فتيات ويافع، كانوا يعملون تحت قيادة شخص يُدعى “داوود محمد” الملقب بـ “هاوار قنديل”، والمنتمي بحسب المصادر إلى تنظيم حزب العمال الكردستاني (PKK).
وقد وصفت وسائل الإعلام الموالية لـ “قسد” هؤلاء الأطفال بـ “الفدائيين”، وحددت أسماءهم كالتالي: زينب كردلي من عفرين، وداد معمو من الحسكة، روجكر نوحي من الدرباسية، ومريم حورو من عفرين.
القصص المنسية وراء الأرقام
لم تكن تلك الحالات هي الوحيدة، حيث تم التعرف أيضاً على مقاتلتين قاصرتين قتلتا في الاشتباكات نفسها، وتكشف التفاصيل قصصاً إنسانية مأساوية؛ فإحداهما، أمارة خليل (16 عاماً)، والتي أطلقت عليها “قسد” اسم “كريلا أمارة”، كانت قد اختُطفت من مدرستها في مدينة عين العرب (كوباني) من قبل “الشبيبة الثورية” التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، الذراع السياسي لـ (PKK) في سوريا.
وناشدت والدة أمارة الجهات المسؤولة مراراً لإعادة ابنتها، مؤكدةً عدم قدرتها على حمل السلاح، لكن مناشداتها باءت بالفشل، لتعود ابنتها إليها جثة هامدة بعد معركة حلب.
كما أعلن تنظيم قسد عن مقتل فتاة أخرى في اشتباكات حلب، لكنها لم تكشف عن اسمها الحقيقي وأعطتها مسمى (ليلى قاسم) وهو اسم قيادية سابقة من تنظيم pkk.
تشابه فاضح مع أدبيات تنظيم الدولة
يلاحظ مراقبون تشابهاً لافتاً في الآلية بين تنظيم قسد وتنظيم الدولة، فيما يخص تجنيد القاصرين. حيث يعتمد الطرفان على تجنيد الأطفال وإبعادهم عن أسرهم، وإخضاعهم لعمليات غسل أدمغة ممنهجة لتحويلهم إلى وقود للحرب.
ويعمل هؤلاء الصغار، دون وعي كامل، لخدمة أجندات عابرة للحدود ومشاريع انفصالية، تنتهي نتيجتها نهاية واحدة: مزيد من الدمار والفوضى وتمزيق النسيج المجتمعي.
كما يتشابه التنظيمان – وفق مراقبين – في اتخاذ قضايا معينة كستار لتنفيذ أجنداتهما، حيث تدعي قسد وpkk حماية “القضية الكردية” لكنهما في الواقع يعملان لصالح أجندة حزبية معينة مرتبطة باتجاهات سياسية شيوعية ويتم استغلالها من قبل الدول الغربية وإسرائيل لتفتيت المنطقة وإضعافها، والحال كذلك بالنسبة لتنظيم الدولة الذي يدعي حمل راية الاسلام وحماية المسلمين فيما تضر سياساته بهم على نحو واسع.
صمت دولي واستغلال سياسي
على الرغم من وضوح الظاهرة وخطورتها، يلفّها صمت مطبق من قبل الإعلام الغربي والمنظمات الدولية الحقوقية، فبينما يُسلط الضوء بشدة على انتهاكات تنظيم الدولة، يتم غالباً تجاهل تقارير مماثلة تتهم قسد بذات الممارسات.
هذا الصمت يستمر رغم صدور تقارير موثقة من منظمات مثل “هيومن رايتس ووتش”، التي حذرت في تقارير سابقة من أن “حركة الشبيبة الثورية في سوريا جندت فتيات وفتياناً في سن الـ 12، مقتلعة إياهم من مدارسهم وعائلاتهم، ومنعت ذويهم من الاتصال بهم”.
وتؤكد تلك التقارير أن ظاهرة تجنيد الأطفال تحرمهم من طفولتهم وتعرضهم لعنف شديد يترك آثاراً جسدية ونفسية طويلة الأمد، وهو ما تنكره قسد وتوابعها علناً رغم الأدلة الدامغة.
وقالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقرير لها أمس الأربعاء، إن الوقائع الموثقة لدى جهات دولية ومحلية، ومنها لجنة التحقيق الدولية المستقلة والشبكة السورية لحقوق الإنسان عبر سنوات، تظهر أن تجنيد القاصرين في مناطق سيطرة قسد اتخذ، في أغلب الحالات، نمطاً متكرراً يقوم على الاستدراج أو الخطف، يعقبه عزل الطفل عن أسرته وقطع صلاته بها. ويرتبط هذا السياق، في روايات متعددة، بوجود بنى تدريب ومعسكرات تُستخدم لترسيخ الانضباط وإعادة التوجيه.
يأتي هذا الكشف في وقت تشهد فيه المنطقة تقاطعات سياسية وعسكرية بالغة التعقيد، حيث يُغيّب صوت الضحايا الأبرياء، خاصة الأطفال الذين تحولوا من طلاب في مدارسهم إلى أرقام في تقارير معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وسط صمت عالمي يثير التساؤلات حول معايير التدخل الإنساني والإعلامي الانتقائية.





