في تطور يعكس حساسية الملفات الخدمية في سوريا ما بعد النظام البائد، شهدت بلدة عين منين بريف دمشق، يوم الجمعة الماضي، احتجاجات شعبية تحولت من مطالب محلية تتعلق بتوزيع مياه الشرب إلى أزمة أمنية وإدارية، انتهت بإفراج وزارة الداخلية عن الموقوفين، واستقالة رئيس البلدية، ووصول قائد أمن ريف دمشق إلى المكان.
وتكشف هذه الحادثة عن هشاشة البنية التحتية وتراكم المطالب الشعبية، كما تشكل اختباراً لقدرة الحكومة على التعامل مع الاحتجاجات السلمية، ومعالجة الجذور الخدمية للأزمات، بعيداً عن الأساليب القمعية التي ميزت عهد النظام البائد.
خلاف على المياه بين الجيران
اندلعت الاحتجاجات في عين منين، وهي بلدة تقع شمال غرب دمشق، على خلفية أزمة آبار مياه الشرب، حيث يتقاسم أهالي البلدة ومدينة التل المجاورة موارد مائية محدودة، وتتمركز الأزمة حول بئر رقم (14) في منطقة بعرجل، حيث بدأت أعمال صيانة وتنظيف، يعتبرها أهالي عين منين خطوة لتقوية تغذية مدينة التل على حساب حصتهم من المياه، التي يعتبرون توزيعها غير عادل.
وتشير هذه الأحداث إلى أزمة عميقة في إدارة الموارد المائية، التي تعاني منها مناطق عدة في سوريا بسبب الجفاف وسوء التخطيط أيام النظام البائد.
وتطورت الاحتجاجات السلمية إلى توترات، حيث جرت احتكاكات بين قوى الأمن ومحتجين، بعد أن استخدمت قوات الأمن النار لتفريقهم، مما دفع المحتجين لإغلاق الطرق وإشعال الإطارات.
وأعلنت محافظة ريف دمشق أن بعض الأشخاص “عمدوا إلى عرقلة العمل وتخريب آليات الحفر والاعتداء على عناصر قوى الأمن الداخلي، ما استدعى تدخلها وتوقيف عدد من المعتدين والمحرضين”، في رواية اختلفت عنها روايات الأهالي، الذين تحدثوا عن اعتقالات واسعة طالت ناشطين ووجهاء.
استقالة رئيس البلدية واحتجاجات جديدة
في تطور نوعي، قدم رئيس بلدية عين منين استقالته احتجاجاً على طريقة تعامل الأمن مع الاحتجاجات، وأكد أنه “لا تفاوض قبل خروج المعتقلين”، معترفاً بوجود “خطأ من المعتصمين” بإغلاق الطرق، لكنه حمّل المسؤولية لغياب التواصل مع المسؤولين.
وتجددت الاحتجاجات أمس الأحد، وصولاً إلى الإفراج عن جميع الموقوفين، بالتزامن مع وصول العميد أحمد الدالاتي، قائد أمن ريف دمشق، الذي خاطب المحتجين، وتعهد بتسوية مطالبهم، وتأكيده توقيف عناصر الأمن الذين تجاوزوا صلاحياتهم.
وتحمل حادثة عين منين دلالات مهمة حول تغير أسلوب التعامل مع الاحتجاجات الشعبية، بعيداً عن القمع الأمني، ونحو الحوار والاستجابة للمطالب، كما تسلط الضوء على هشاشة البنية التحتية، وحاجة الحكومة للاستثمار العاجل في قطاعات المياه والكهرباء والصرف الصحي، لتجنب حوادث مماثلة.






