في تطور يعكس تحولاً في أنماط الهجرة العالمية، كشف تقرير “النظرة العامة الأوروبية للجوء والهجرة 2025″، الصادر عن الشبكة الأوروبية للهجرة (EMN)، عن تغير جذري في خريطة طالبي اللجوء إلى القارة العجوز.
ووفقا للتقرير الذي صدر أمس الاثنين، فإنه بحلول عام 2025، أصبح الفنزويليون أكبر جنسية تتقدم بطلبات لجوء لأول مرة في الاتحاد الأوروبي والنرويج، بنسبة 13.3% من إجمالي الطلبات، متفوقين على السوريين الذين تصدروا المشهد لسنوات.
وهذا التحول، الذي يوثقه التقرير السنوي الذي يغطي 30 دولة، يأتي في وقت لا تزال فيه أوروبا منشغلة بتنفيذ “ميثاق الهجرة واللجوء” الجديد، وإدارة تداعيات النزوح الأوكراني الذي لا يزال يشكل أكبر تحدٍ إنساني في القارة.
أرقام تعيد رسم الخريطة
وفقاً للبيانات الإحصائية التي قدمها ممثل “يوروستات”، والتي نُشرت بالتزامن مع التقرير، بلغ عدد المقيمين من رعايا دول ثالثة في الاتحاد الأوروبي والنرويج 30.9 مليون شخص بحلول أول يناير 2025، أي ما نسبته 6.8% من إجمالي السكان.
وفي عام 2025 وحده، تم تقديم 673 ألف طلب لجوء لأول مرة، وهو رقم يعكس استمرار الضغوط على أنظمة اللجوء الأوروبية.
لكن اللافت هو تغير ترتيب الجنسيات: صعود فنزويلا إلى الصدارة، يليه السوريون ثم الأفغان، حيث شكل الأخيرون أكبر جنسية تحصل على الحماية في المرحلة الأولى، بينما تفوق السوريون في مرحلة الاستئناف.
وهذا التفاوت بين طالبي الحماية في المراحل المختلفة يشير إلى تعقيدات إجرائية وقانونية تؤثر على مسارات كل جنسية بشكل مختلف.
تحديات مستمرة: الحماية المؤقتة للأوكرانيين
في سياق موازٍ، سلط التقرير الضوء على استمرار تأثير النزوح الأوكراني، حيث استفاد أكثر من 4.4 مليون شخص من نظام الحماية المؤقتة في نهاية عام 2025.
ويمثل هذا الرقم الضخم تحدياً لوجستياً وإنسانياً مستمراً، ويطرح تساؤلات حول استدامة هذا النموذج الاستثنائي من الحماية، خاصة مع تزايد الدعوات الأوروبية للبحث عن “مقاربات مستدامة” تجاه النازحين الأوكرانيين، في إشارة إلى ضرورة الانتقال من الحماية الطارئة إلى حلول أكثر استقراراً.
سياسات مزدوجة: بين فتح المسارات القانونية وتشديد الرقابة
كشف التقرير عن تناقض واضح في السياسات الأوروبية خلال عام 2025، حيث سعت الدول الأعضاء إلى فتح مسارات قانونية جديدة لفئات محددة من المهاجرين، ولا سيما في مجالات ريادة الأعمال والمواهب، كما جرى توثيقه من خلال تجارب بلجيكا وإستونيا في الشراكات مع دول المنشأ.
لكن هذا التوجه قوبل بتشديد الإجراءات في جوانب أخرى، استجابةً لمخاوف أمنية، ومكافحة تهريب المهاجرين، وسد الثغرات التي تسمح بإساءة استخدام المسارات القانونية.
ويُعد تطبيق “ميثاق الهجرة واللجوء” الأوروبي، والدورة الأولى لإدارة الهجرة السنوية، من أبرز التطورات المؤسسية لعام 2025، إلى جانب التقدم في أنظمة تكنولوجيا المعلومات واسعة النطاق التي تهدف إلى رقمنة إدارة الحدود واللجوء، كما عرضت إستونيا تجربتها في هذا المجال.
شراكات مع الدول الثالثة: نهج يتوسع
لم يغفل التقرير أهمية التعاون مع دول المنشأ والعبور، حيث برزت مبادرات مثل مشروع “تعزيز المواهب الغامبية” الذي تقوده بلجيكا، والذي يهدف إلى ربط رواد الأعمال والمستثمرين بين بلجيكا وغامبيا.
ويشير ذلك إلى تحول في الفلسفة الأوروبية نحو إدارة الهجرة، من خلال الاستثمار في التنمية وخلق الفرص في بلدان المصدر، كوسيلة لمعالجة الأسباب الجذرية للهجرة غير النظامية.






