يشهد القطاع الزراعي في سوريا أزمة غير مسبوقة خلال موسم الخضار الصيفي لعام 2026، حيث يتضاعف عبء ارتفاع تكاليف الإنتاج مقابل انهيار أسعار المحاصيل، في وقت تتراكم فيه الكوارث الطبيعية لتضرب الموسم في أشد أوقاته حساسية، مما يهدد استمرار المزارعين في عملهم.
ويكشف واقع المزارع السوري عن مفارقة اقتصادية قاتمة، إذ ترتبط جميع مدخلات الإنتاج بالدولار الأميركي، من البذور الهجينة والأسمدة إلى الأدوية والمبيدات، بينما تباع المحاصيل بالليرة السورية، وتظهر الأرقام أن الزراعة تتطلب تكلفة كبيرة في مقابل إيرادات ضعيفة تسبب خسارة للمزارع في كثير من الأحيان.
ويضطر المزارعون لشراء مستلزمات الإنتاج بأسعار كبيرة، حيث تُباع الأدوية والمبيدات بقيم مرتفعة وفي كثير من الأحيان تكون ضعيفة الفاعلية، بينما يلجأ العديد منهم إلى الأدوية المهربة بدلاً من المختومة والمصدقة من وزارة الزراعة بسبب ارتفاع الأسعار.
يقول أبو محمود الرجل الستيني من ريف حلب، إن سعر كيس السماد المتوازن تجاوز 10 آلاف ليرة سورية جديدة، مع ارتفاع سعر ساعة الكهرباء، وأجرة العامل، فيما تباع الخضار في أسواق الهال بقيم لا تحقق المزارع الربح المنشود.
وأوضح أن خسائر المزارعين لم تقتصر على ارتفاع التكاليف، بل تفاقمت بسبب الكوارث الطبيعية المتتالية، حيث تعرضت عدة مناطق لعواصف رعدية وبَرَدية، أتلفت آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية، ولم تكن الخضروات الصيفية أقل تضرراً رغم نجاتها من السيول، حيث تعرضت لموجات الحر المتتابعة مع ارتفاع تكاليف السقاية.
من جانبه أوضح الحاج أبو ماهر وهو تاجر خضار من ريف إدلب أن الموسم الصيفي لهذا العام جيد عموماً من حيث الإنتاج، لكن المشكلة بالنسبة للمزارع تكمن في الأسعار التي لا تناسب الفلاح، وقد لا تفي بالتكاليف.
وأضاف أن المنطقة الشمالية تشهد حالياً إنتاجاً وفيراً من محاصيل البطاطا والبطيخ الأحمر والأصفر والكوسا والباذنجان والخيار والبندورة والذرة بأنواعها وغيرها من المحاصيل، وهو ما أدى لرخصها في السوق بسبب توفرها بكميات كبيرة مع عدم فتح التصدير نحو الخارج، وهو ما يراه الحل الأمثل للمزارعين.
وكانت فيضانات نهر الفرات قد تسببت بغمر أكثر من 20,500 دونم من الأراضي الزراعية في دير الزور، وألحقت أضراراً بنحو 2000 دونم أخرى في الرقة، إذ دمرت المياه محاصيل القمح والقطن والخضروات التي كانت في موسم الحصاد، وأغرقت مئات مضخات الري، مما تسبب بخسارة كاملة للموسم الزراعي لأكثر من 85% من الأسر الزراعية المتضررة، واضطر 43% منها لبيع مواشيها أو أصولها الإنتاجية للبقاء.
تداعيات على الأمن الغذائي والأسعار
تنعكس الخسائر الفادحة على الأسواق المحلية، حيث ارتفعت أسعار الخضار الصيفية بشكل حاد، وسط تضرر المحاصيل الرئيسة من جراء التغيرات المناخية، إلى جانب ارتفاع تكاليف الوقود والنقل، وهو ما يؤدي إلى مزيد من الضغوط على القدرة الشرائية للمواطنين الذين يعانون أصلاً من ضعف الدخل.
ومنذ أيام حذرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة من تداعيات الأضرار التي لحقت بأنظمة الري، واضطراب الأسواق، وتكرار موجات الجفاف والفقر، في سوريا، حيث أكدت في تقرير أن الحجم الحقيقي للخسائر يتجاوز القطاع الزراعي ليطال الأمن الغذائي للأسر المتضررة التي فقدت إمداداتها الغذائية ومصادر دخلها.
وتشير تقديرات المنظمة إلى أن الوضع يستدعي تدخلاً عاجلاً لتأمين بدائل غذائية للعائلات المتضررة ودعم المزارعين لإعادة تأهيل أراضيهم وأنظمة الري قبل الموسم القادم.






