شهد سعر صرف الليرة السورية تراجعاً ملحوظاً خلال الأيام الماضية، مقترباً من حاجز 137 ليرة للدولار الواحد، وسط مخاوف من استمرار تعدد أسعار الصرف وعدم وضوح السياسة النقدية المستقبلية، فيما ارتفعت أسعار مختلف السلع والبضائع، خصوصاً الغذائية، مما يفاقم معاناة المواطنين الذين يعانون أصلاً من هشاشة وانخفاض في القدرة الشرائية.
ويتفاوت خبراء الاقتصاد في تفسير الأسباب والتوقعات، بين من يرون التراجع طبيعياً في المرحلة الانتقالية، ومن يعتبرون أن سعر الصرف “غير حقيقي” وأن القيمة العادلة قد تصل إلى أكثر من ذلك.
تراجع الليرة بين الحقيقي والمتوقع
يرى الخبير الاقتصادي السوري أدهم قضيماتي، في إفادته لحلب اليوم، أن تراجع سعر الصرف “طبيعي في هذه المرحلة الانتقالية” مع استبدال العملة، وبناء الاقتصاد من جديد، ومرحلة التعايش بين العملة القديمة والجديدة، وعدم دوران الإنتاج بالشكل الذي يعتمد فيه المواطن السوري على المنتجات المحلية.
وهذا التفسير يعتبر الانخفاض ظاهرة مؤقتة مرتبطة باضطرابات التحول من نظام نقدي إلى آخر.
في المقابل، يرى الدكتور فراس شعبو أن سعر الصرف “غير حقيقي” سواء المعلن أو السوقي، وأن القيمة الحقيقية يمكن أن تصل إلى 200 أو 220 أو حتى 250 ليرة للدولار الواحد. ويستدل على ذلك بأن الأسعار تزداد بشكل كبير بينما سعر الصرف شبه ثابت، مما يعني وجود “خلل” أو “مشكلة ما” في آلية التسعير والرقابة.
أسباب تراجع الليرة وارتفاع الأسعار
أرجع قضيماتي أسباب تراجع الليرة إلى اعتماد سوريا الكبير على الاستيراد في تأمين السلع، مما يزيد الطلب على الدولار، وبالتالي يخلق معروضاً أكبر من الليرة السورية وتذبذباً في سعرها، فالطلب المرتفع على العملة الأجنبية (لاستيراد الغذاء والوقود والمواد الأولية) مع ضعف الإنتاج المحلي وقلة الصادرات، يضغط على العملة المحلية.
لكن شعبو يرى أن سعر الصرف ممسوك من خلال “السيولة فقط”، أي أن الدولة تمنع أو تحد من قدرة الأفراد على سحب أموالهم من البنوك لأسباب تتعلق بالسيولة أو السيطرة على السوق، فإذا فتحت الدولة السيولة وسمحت بسحب الودائع، فإن قيمة الليرة ستنهار بشكل كبير.
ويرى أن الدول “مهما أمسكت سعر الصرف، سوف يفرض السوق نفسه في النهاية”، فالتجار لا يحددون أسعارهم بموجب سعر الصرف الرسمي، بل بموجب تكاليف الإنتاج الحقيقية (الاستيراد، النقل، الجمارك، الوقود، الأيدي العاملة) التي تستند إلى سعر صرف أقرب إلى الواقع، لذلك نرى أسعاراً مرتفعة رغم سعر صرف “ثابت” نسبياً.
أما ارتفاع أسعار السلع، فيرجعه قضيماتي إلى أمرين: تذبذب سعر الصرف، وارتفاع تكاليف النقل والاستيراد نتيجة الحروب الدائرة في المنطقة (تأثير ذلك على طرق التجارة، التأمين على البضائع، أسعار الشحن)، وهما عاملان خارجيان جزئياً، لكنهما يتفاعلان مع ضعف الإنتاج المحلي.
التضخم والأسباب غير الواضحة
يرى شعبو أن “التضخم في سوريا هائل جداً ولا تستطيع الدولة السيطرة عليه”، فالأسعار تحددها القيمة الحقيقية للمنتجات والمستوردات، وليس سعر الصرف المُعلن. ويتساءل عن أسباب المبالغة الكبيرة في التضخم: “هل هو نتيجة فساد؟ هل هو نتيجة ضعف رقابي؟ هل هو نتيجة خلل هيكلي؟” ويقر بأن “الأمور متشعبة كثيراً”، ولا توجد إجابة واحدة واضحة حتى الآن.
ويرجح أن نشهد المزيد من التذبذب نحو الانخفاض خلال أشهر، مع استمرار الغموض حول السياسة النقدية وترقب السوق لاستقرار العملة الجديدة، كما يؤكد أن “سعر الصرف الحالي لا يعبر عن الاقتصاد السوري ولا يعبر عن الواقع السوري”، وأنه يجب أن يكون أعلى من المعلن، والدليل هو المستوى المرتفع للأسعار، ما يعني أن الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الحقيقي (الموازي) قد تتسع مجدداً، مما يخلق سوقاً سوداء ومضاربات.
ويثير تراجع الليرة السورية مقابل الدولار وارتفاع الأسعار قلقاً في أوساط السوريين، خاصة بعد أشهر من التفاؤل باستقرار العملة وإجراءات استبدال العملة وسوق دمشق للعملات والذهب، لكن التراجع يبقى في حدود ضيقة نسبيا حتى الآن.





