شهدت العاصمة الأردنية عمان، أمس الأحد، حدثاً دبلوماسياً وصف بـ”الأكبر في تاريخ العلاقات بين البلدين”، حيث اختتمت أعمال الدورة الثانية لمجلس التنسيق الأعلى بين الأردن وسوريا بتوقيع حزمة موسعة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، في مسعى لتحويل العلاقة بين البلدين من مرحلة الترقب إلى شراكة استراتيجية متكاملة.
وقال نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره السوري أسعد الشيباني، إن الاجتماع الذي ضم أكثر من 30 وزيراً ومئات المسؤولين، أسفر عن توقيع حوالي 10 اتفاقيات ومذكرات تفاهم، تم خلالها بحث التعاون في أكثر من 21 قطاعاً حيوياً شملت الطاقة والمياه والنقل والصناعة والصحة والتعليم.
وفي خطوة تعكس الإرادة السياسية، التقى الوفد السوري برئاسة الوزير الشيباني بالعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني وولي عهده الأمير الحسين بن عبد الله، حيث أكد الملك ضرورة تحويل هذه الاتفاقيات إلى واقع عملي يخدم المصالح المشتركة.
من النقل البري إلى الغاز.. تفاصيل الاتفاقيات
كشف البيان الختامي للمجلس عن حزمة متكاملة من التفاهمات التي تعيد صياغة العلاقات الثنائية بعد عقود من التحديات. ففي المجال الاقتصادي والتجاري، تم الاتفاق على آلية جديدة للتبادل التجاري تبدأ في الأول من مايو المقبل، تقوم على مبدأ “المعاملة بالمثل” وتماثل الرسوم الجمركية، مع استئناف حركة الترانزيت وتفعيل الاستفادة من الموانئ البحرية في البلدين.
أما في ملف الطاقة، الذي طالما شهد تعقيدات، فقد تم الاتفاق على استئناف تزويد سوريا بالغاز الطبيعي خلال يومين فقط من انتهاء الاجتماعات، إلى جانب بحث إمكانية تزويدها بالكهرباء عبر الشبكة الأردنية بعد إصلاح خطوط الربط داخل الأراضي السورية .
وفي ملف المياه الشائك، جرى الاتفاق على تفعيل اللجنة المشتركة للمياه لضمان “القسمة العادلة”، ومناقشة مشروع الاستمطار المشترك وتطوير حوض اليرموك.
بعد عقود من الجمود.. ربط السكك الحديدية وتطوير المعابر
لم تغفل الاتفاقيات البعد اللوجستي، حيث تم الاتفاق على خطة لتطوير منفذ “جابر – نصيب” الحدودي وتحويله إلى معبر بمواصفات دولية، إضافة إلى إحياء مشروع سكة حديد الحجاز التاريخي، وهو ما قد يعيد ترميم خرائط النقل الإقليمي.
وأكد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني على البعد الاستراتيجي لهذه الخطوة، مشيراً إلى أن “التكامل مع الأردن يمثل ضرورة حيوية، فهو رئة سوريا نحو الخليج، ونحن بوابته نحو تركيا وأوروبا”.
التنسيق الأمني: خارطة طريق للسويداء
على الصعيد الأمني، الذي شكل هاجساً مشتركاً خلال السنوات الماضية، كشف الوزير الصفدي عن وجود “تنسيق دفاعي وأمني قطع خطوات وازنة ومهمة” لمواجهة تحديات تهريب المخدرات والسلاح.
وتم الإعلان عن “خريطة طريق” مشتركة لإنهاء الأزمة في محافظة السويداء وتثبيت الاستقرار في جنوب سوريا.
كما أدان الجانبان بشدة “الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية”، وطالبا بانسحاب القوات الإسرائيلية الفوري إلى خطوط اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، مع التأكيد على رفض أي مخططات تقسيمية تهدد وحدة الأراضي السورية.
ويبدو أن عمان ودمشق تعولان على هذا الزخم لطي صفحة الماضي، حيث وصف الوزير الصفدي الاجتماع بأنه “خطوة عملية لترجمة الإرادة السياسية لزيادة التعاون”، فيما اعتبره نظيره السوري “عودة بالعلاقات إلى مسارها الطبيعي الصحيح”، ومن المقرر أن تعقد الدورة القادمة للمجلس في العاصمة دمشق.






