يشكل معبر اليعربية الحدودي، الواقع في ريف محافظة الحسكة شرق سوريا والمقابل لمعبر ربيعة في الجانب العراقي، واحداً من أهم المعابر الحدودية بين البلدين، وقد ظل هذا المعبر مغلقاً منذ عام 2014 إثر سيطرة تنظيم الدولة على مساحات شاسعة من الأراضي السورية والعراقية.
ومع تغير المشهدين السياسي والميداني في سوريا، باشرت الحكومة السورية جهوداً مكثفة لإعادة تأهيل وافتتاح هذا المعبر الحيوي، في خطوة تحمل أبعاداً اقتصادية واستراتيجية كبيرة.
وقد أجرى معاون رئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك خالد البراد، برفقة وفد من مديري المديريات المركزية، اليوم الثلاثاء، جولة تفقدية إلى منفذ اليعربية الحدودي في محافظة الحسكة، في إطار متابعة أعمال التأهيل ورفع الجاهزية التشغيلية للمنفذ تمهيداً لافتتاحه.
الجهود الحكومية لإعادة الافتتاح
تمثلت الخطوة الأبرز في مسار إعادة افتتاح المعبر بانتقال السيطرة على الجانب السوري منه، المعروف باسم “معبر اليعربية”، إلى الجيش العربي السوري في العشرين من كانون الثاني 2026، وجاء هذا الانتقال في إطار اتفاق تاريخي وُقّع في العاشر من آذار 2026 بين قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي والرئيس السوري أحمد الشرع.
ونص الاتفاق على دمج مؤسسات “الإدارة الذاتية” في مؤسسات الدولة السورية، بما في ذلك تسليم المعابر الحدودية والمطارات للسلطات المركزية في دمشق، وقد مثّل هذا التطور نقطة تحول حاسمة أزالت العقبة الرئيسية أمام إعادة تشغيل المعبر.
وفي إطار الاستعدادات لإعادة فتح المعبر وتأمين المحيط الحدودي، كثفت الحكومة السورية من انتشارها العسكري على طول الشريط الحدودي مع العراق، ففي الرابع من آذار 2026، أعلنت قيادة العمليات العسكرية في الجيش العربي السوري عن تعزيز انتشار وحدات حرس الحدود وسرايا الاستطلاع على الحدود، بهدف مراقبة النشاطات ومنع عمليات التسلل ومكافحة شبكات التهريب.
وأكدت المصادر العسكرية أن هذه الخطوات تأتي في إطار إجراءات دفاعية بحتة لحماية السيادة الوطنية وتعزيز الاستقرار في المناطق الحدودية.
كما شهدت الفترة الأخيرة تنسيقاً أمنياً لافتاً بين دمشق وبغداد لتأمين المعبر والمناطق المحيطة به، ففي 24 آذار 2026، أكد قائد قوات الحدود العراقية، الفريق محمد عبد الوهاب السعيدي، وجود تنسيق مستمر بين القوات العراقية والسورية لتأمين المعابر الحدودية.
وجاء هذا التنسيق بعد أيام من تعرض قاعدة عسكرية سورية قرب اليعربية لهجوم صاروخي انطلق من الأراضي العراقية، حيث تم التنسيق مع الجانب العراقي للقيام بعمليات تمشيط ومطاردة الجهة المنفذة.
التحركات الدبلوماسية رفيعة المستوى
عُززت الجهود الميدانية بتحركات دبلوماسية رفيعة المستوى، أبرزها الاتصال الهاتفي الذي جرى بين الرئيس السوري أحمد الشرع ورئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، حيث أكد الجانبان على أهمية التعاون الأمني المشترك وضبط الحدود ومكافحة الإرهاب.
كما تزامن ذلك مع زيارات متعددة أجراها رئيس جهاز المخابرات العراقي حميد الشطري إلى دمشق لبحث الملفات الأمنية المشتركة.
أهمية المعبر للبلاد
يمثل معبر اليعربية شرياناً اقتصادياً حيوياً لسوريا عموماً وشرق البلاد خصوصاً، فإعادة افتتاحه ستعزز التبادل التجاري بين سوريا والعراق، وهو ما أكده رئيس هيئة المنافذ الحدودية العراقية الفريق عمر عدنان الوائلي، مشيراً إلى أن افتتاح المعبر سيمثل خطوة استراتيجية كبرى في تعزيز التجارة مع الجمهورية العربية السورية وزيادة الإيرادات غير النفطية.
كما سيسهم المعبر في تنشيط حركة العبور التجاري، خاصة في إطار مشروع “طريق التنمية” الذي تستفيد منه سوريا كحلقة وصل بين الشرق والغرب.
وإلى جانب البعد الاقتصادي، يحمل المعبر أهمية إنسانية واجتماعية كبيرة، إذ يُسهل حركة المواطنين بين البلدين ويساهم في لم شمل العائلات التي فرقتها الحدود لسنوات، وفي ظل التصعيد الإقليمي الأخير، برزت أهمية المعبر أيضاً كمنفذ إنساني، حيث أطلقت السفارة السورية في بغداد جهوداً منظمة لإعادة السوريين الراغبين في العودة من إقليم كردستان العراق عبر معبر القائم (البوكمال) الذي أعيد افتتاحه في حزيران 2025، وهو ما يعكس الدور الإنساني المتوقع لمعبر اليعربية بعد إعادة تشغيله.
ومن الناحية الأمنية، تعد إعادة السيطرة الحكومية على المعبر وتأهيله خطوة مهمة في ترسيخ سيادة الدولة السورية على كامل أراضيها، وقد شهدت الفترة الأخيرة توتراً أمنياً متصاعداً في المنطقة، مع تعرض مواقع عسكرية سورية لهجمات بطائرات مسيرة وصواريخ انطلقت من داخل الأراضي العراقية، وفي هذا السياق، يأتي تأمين المعبر وتعزيز الانتشار العسكري على الحدود كإجراء دفاعي ضروري لحماية السيادة الوطنية ومنع استغلال الثغرات الأمنية من قبل الجماعات المسلحة وشبكات التهريب.






