شهدت مدينة السقليبية في ريف محافظة حماة، مساء الجمعة 27 آذار 2026، حادثة شجار محدودة بين عدد من الشباب من أبناء المدينة والقرى المجاورة، ورغم قدرة الأجهزة الأمنية ومديرية منطقة الغاب على احتواء الموقف خلال وقت قصير، فإن الفضاء الرقمي شهد تصاعدًا لافتًا في المحتوى المرتبط بالحادثة، تمثل بحملات إلكترونية ممنهجة هدفت إلى تضخيم الحدث وإعادة صياغته ضمن أطر طائفية وسياسية، وفق تحقيق أجرته وحدة مكافحة تضليل المعلومات.
واعتمد تحقيق الوحدة التابعة لوزارة الإعلام، على أدوات التحليل الرقمي والتقصي الميداني، حيث يكشف أنماط التضليل المستخدمة، والجهات الفاعلة، والحسابات المشاركة، ونتائج التحقق من الادعاءات المتداولة.
حقيقة ما جرى ميدانيًا
أثبت التحقق الميداني أن الحادثة كانت خلافًا اجتماعيًا محليًا نشأ بين أفراد من بيئات جغرافية متقاربة، ولا يرتبط بأي سياق سياسي أو ديني منظم. وأكدت وزارة الإعلام أن هذا النوع من الحوادث ليس طارئًا على المنطقة، بل يندرج ضمن أنماط من التوترات الاجتماعية التي كانت تحدث قبل عام 2011، دون أن تأخذ طابعًا طائفيًا أو سياسيًا.
وقد تمكنت الجهات المختصة من التدخل واحتواء الحادثة خلال وقت قصير، وإعادة الهدوء إلى المدينة، دون تسجيل أي تطورات ميدانية استثنائية.
وعملت وحدة مكافحة تضليل المعلومات في وزارة الإعلام، فور اندلاع الحادثة، على رصد وتحليل المحتوى المتداول عبر منصات التواصل الاجتماعي، باستخدام تقنيات متقدمة للإحصاء والتحليل والتتبع الرقمي، بحسب التحقيق.
وقالت إنها اعتمدت في منهجيتها على التحقق الميداني الموازي للتحليل الرقمي، وتتبع الحسابات الناشرة والمتفاعلة، وتحليل أنماط إعادة النشر والتكرار، والكشف عن الروابط بين الحسابات والأحداث السابقة.
وقد رصدت الوحدة تصاعدًا ملحوظًا في حجم المحتوى المتداول خلال فترة زمنية قصيرة جدًا، ما استدعى تدقيقًا موسعًا لكشف خلفيات الحملة.
أنماط التضليل الرقمي في تغطية الأحداث
أظهرت نتائج التحليل أن النشاط المرتبط بالحملة بدأ خلال الساعات الأولى من خارج سوريا، لا سيما من لبنان، حيث كانت الحسابات اللبنانية من أوائل الجهات التي نشرت محتوى متعلقًا بالحادث، قبل أن يتوسع نطاق التفاعل ليشمل حسابات داخل سوريا والعراق.
ورصدت الوحدة ترابطًا بين الناشرين تحت هاشتاغات ممنهجة، أبرزها: (الغالبية_المسيحية، مدينة_السقليبة، شغب_وتخريب) كما تم تحويل وصف الحادثة من “شجار محلي” إلى “هجوم منظم” عبر تكرار عبارات موحدة، مثل: (مجموعة مسلحة تقتحم مدينة السقليبية، هجوم على المسيحيين، حالات اغتصاب وتنكيل).
ورصدت الوحدة اعتماد الحسابات على تكرار عبارات وصياغات متشابهة، ما يشير إلى وجود أنماط نشر متقاربة وغير عفوية، كما تم تداول مقاطع فيديو وصور خارج سياقها الزماني والمكاني.
انتقال المنصات
بدأ النشاط على منصة X (تويتر سابقًا)، ثم انتقل إلى فيسبوك حيث رصد الفريق أكثر من 5,846 منشورًا خلال 10 ساعات فقط، منطلقة من صفحات في لبنان وأوروبا والعراق والإمارات، إضافة إلى حسابات داخل سوريا.
ووثق فريق التقصّي أن آلاف الحسابات التي شاركت في تأجيج أحداث الساحل السوري، والسويداء، والمنطقة الشرقية (قسد)، عادت للنشاط مجددًا خلال أحداث السقليبية، بعد أشهر من الغياب عن وسائل التواصل.
كما ظهرت حسابات جديدة على فيسبوك وX، مهمتها إعادة التغريد وتضخيم المحتوى، وأغلبها حسابات آلية تدار بواسطة الذكاء الاصطناعي.
وشملت الحسابات النشطة (حسابات موالية لتنظيم قسد، حسابات من فلول نظام الأسد البائد وميليشيات الهجري، وحسابات لأشخاص يقدمون أنفسهم كـ “مسيحيين” لتعزيز المصداقية).
وفي نماذج من التغريدات المحرضة، نشر حساب ANHA عربية (موالٍ لقسد) صورًا تحت عنوان “هجوم مسلحين وملثمين”، كما نشر حساب Samo Sleman ادعاءات عن “حالات اغتصاب وتنكيل” دون أدلة.
ووفق التحقيق فقد ربط حساب Dr.Rony الحادثة بـ “تنظيم داعش السوري” ووصفها بأنها “جرائم باسم الإسلام”، فيما دعا حساب Orthodoxy (أرثوذكسي) للصلاة ونشر ادعاءات حول هجوم بالسلاح الثقيل.
نتائج التحقق من الادعاءات
بعد عملية مراجعة شاملة لكل الادعاءات المتداولة، توصلت وحدة مكافحة تضليل المعلومات إلى ما يلي:
– الادعاء بوجود وفيات أو إصابات غير صحيح
– لم يتم تسجيل أي حالة وفاة أو إصابة مرتبطة بالحادثة
– لم يتم توثيق أي اعتداء على دور العبادة
– الادعاء بتخريب رموز دينية مضلل، ولا يوجد عليه دليل موثوق
– لم يحدث هجوم منظم أو استهداف جماعي
الأهداف والنتائج
استثمرت الجماعات والكيانات المعادية للمجتمع السوري الحادثة لضخ أخبار زائفة ومضللة، مدعومة بفيديوهات وصور مقتطعة عن سياقها المكاني والزماني، بهدف بث فتنة طائفية بين مكونات الشعب السوري، خاصة في منطقة سهل الغاب التي تتميز بتنوعها العريق والديني، وفق التحقيق.
وأظهر التحليل أن بعض الجماعات المشاركة لها ارتباط وثيق مع فلول نظام الأسد وشبكة إجرامية لا يزال بعض رؤوسها يقبعون خارج سوريا ويديرون الحملات ضدها.
وأظهرت الأحداث أن الفضاء الرقمي لا يزال ساحة مفتوحة لمحاولات التضليل والتأجيج الطائفي، مستغلة أي حدث محلي مهما كان صغيرًا، لكن التحليل المتقدم الذي أجرته وحدة مكافحة تضليل المعلومات كشف بوضوح أن ما جرى في السقليبية كان خلافًا اجتماعيًا محدودًا، تمت تضخيمه إلكترونيًا عبر حسابات آلية ومكرّرة، بأجندات خارجية واضحة.






