في تطور ملحوظ ضمن أحد أكثر الملفات الإنسانية تعقيداً في سوريا، أعلنت لجنة التحقيق في مصير بنات وأبناء المعتقلين والمغيبين قسراً عن تحقيق تقدم ميداني وقانوني ملموس، تمثل في حصر مئات الأطفال الذين كانوا مُودَعين في دور الرعاية خلال السنوات الماضية، وإعادة العشرات منهم إلى ذويهم، مع العمل على التحقق من عودة 50 آخرين.
جاء ذلك خلال مؤتمر صحفي عقده ممثلو اللجنة، اليوم الثلاثاء 6 كانون الثاني، في مقر وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بدمشق، بحضور وسائل إعلام رسمية ومحلية، حيث قدّموا حصيلة ستة أشهر من العمل المكثف، مؤكدين وصول 50 طفلاً إلى ذويهم، وحصر 314 طفلاً ممن تم إيداعهم في تلك الدور.
آليات عمل معقدة ورقابة أهلية
أوضحت رغداء زيدان، رئيسة اللجنة، أن المهمة الأساسية تتمحور حول “التقصي والبحث عن أطفال المعتقلين والمغيبين قسراً الذين أودعوا في دور الرعاية”، مشيرة إلى صعوبة العمل بسبب تلف وفقدان الكثير من الملفات والأرشيف.
ولمواجهة هذه التحديات، تعمل اللجنة على عدة محاور؛ أولها فحص وأرشفة الوثائق بالتعاون مع خبراء من المركز الدولي للعدالة الانتقالية لتحليل البيانات، وثانيها التواصل المباشر مع الأهالي عبر وسائل التواصل الاجتماعي والاجتماعات الدورية، مع تشكيل فريق تطوعي نصف أعضائه من ذوي الأطفال، وثالثها الدعم المتكامل الذي لا يقتصر على لمّ الشمل، بل يمتد لتقديم دعم نفسي واجتماعي وقانوني للأهالي ومتابعة المسار القضائي، وفقا للمصدر.
تحديات كبرى: أطفال “مجهولو الهوية”
كشف ممثلو مؤسسات الرعاية عن أحد أكبر العوائق التي تواجه التحقيق، وقال معتصم السلومي، مدير مجمع “بيوت لحن الحياة”: “فوجئنا بعدم وجود بيانات حقيقية للأطفال… عمل النظام البائد على منحهم صفة مجهول الهوية ووضع لهم أسماء مختلفة، مما يولد رحلة بحث دقيق”.
من جهته، أوضح فاتح العباسي من جمعية “قرى الأطفال SOS” أن الجمعية تمكنت من تحري 140 حالة وتتبع 106 منها، مع الاستمرار في التحقق من البيانات.
وأكد سامر قربي، ممثل وزارة الداخلية في اللجنة، أن العمل يجري على دعم ذوي الأطفال قانونياً من خلال توكيل محامين وتقديم الاستشارات، مشيراً إلى تشكيل فرق متخصصة لفرز وأرشفة المعلومات تحضيراً لتحليلها، واستعداد لإرسال فرق ميدانية للمتابعة.
ويأتي عمل اللجنة في إطار تحرك حكومي أوسع، حيث سبق أن أسفرت التحقيقات عن إيقاف وزيرتين سابقتين للشؤون الاجتماعية هما كندة شماط وريما القادري، وعدد من الموظفات في مؤسسات الرعاية، للتحقيق معهن حول هذا الملف.
خلفية الملف والتشكيل
تشكلت اللجنة بقرار من وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات في منتصف أيار 2024، وتضم في عضويتها ممثلين عن وزارات الداخلية والعدل والأوقاف (لمسؤوليتها عن بعض دور الأيتام)، بالإضافة إلى ممثلين عن عائلات الضحايا والمجتمع المدني ومختصين في حقوق الإنسان.
وكانت اللجنة قد خصصت خطين ساخنين في تموز 2025 لتلقي البلاغات والاستشارات، وأعلنت أن الرقم الحالي للأطفال (314) ليس نهائياً، مع تأكيد استمرار العمل “إلى حين توضيح مصير جميع الأطفال”.





