في خطوة غير مسبوقة، وقّعت الولايات المتحدة وإيران على مذكرة تفاهم من 14 نقطة، أنهت رسمياً حالة الحرب المفتوحة بينهما، وأعادت فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، وفتحت الباب أمام مفاوضات أوسع حول البرنامج النووي الإيراني.
ويُعد هذا الاتفاق، الذي تم التوقيع عليه على هامش قمة مجموعة السبع في فرنسا، اليوم الخميس، تحولاً دراماتيكياً في مسار الصراع، لكنه يطرح أسئلة تتعلق بالجدول الزمني لرفع العقوبات، ومصير الأموال الإيرانية المجمدة، وموقف الاحتلال الإسرائيلي غير الموقع على الاتفاق.
وقف الحرب مقابل وعود نووية
يقوم الاتفاق على مقايضة واضحة المعالم؛ تقدم إيران تنازلات أمنية وعسكرية فورية، بينما تقدم واشنطن تسهيلات اقتصادية، على أن تُترك القضايا الأكثر تعقيداً لتفاوض لاحق.
وينص البند الأول على وقف فوري ودائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، بالمقابل تلتزم إيران بـ “استعادة حركة الملاحة” في مضيق هرمز خلال 30 يوماً، مع ضمان عبور مجاني للسفن التجارية لمدة 60 يوماً، هذا البند وحده كفيل بخفض أسعار النفط العالمية، وهو هدف أمريكي معلن منذ بدء الأزمة.
أما المفارقة الأكبر فتكمن في البند الثامن، حيث تكرر إيران التزامها “بعدم امتلاك أو تطوير أسلحة نووية”، لكن آلية التعامل مع مخزونها من اليورانيوم المخصب تُركت لتُحسم في المفاوضات النهائية خلال 60 يوماً، وهذا هو جوهر الاتفاق؛ فهو ليس اتفاقاً نووياً شاملاً كما كان الحال في خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015، بل هو مجرد “مذكرة تفاهم” تمهد الطريق لمفاوضات مستقبلية.
وتلتزم الولايات المتحدة وحلفاؤها الإقليميون بوضع خطة لإعادة إعمار الاقتصاد الإيراني بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار، دون أن تقدم واشنطن “سنتاً واحداً” من خزينتها، بل عبر تقديم التراخيص والضمانات للاستثمار الأجنبي، ورغم ذلك، يظل رفع العقوبات مرهوناً بالتزام إيران بتعهداتها النووية، مما يعني أن طهران لن تحصل على الإغاثة الاقتصادية الكاملة إلا بعد إثبات جديتها في الملف النووي خلال الأشهر المقبلة.
مكاسب متبادلة ورهانات مؤجلة
من وجهة النظر الأمريكية؛ تمكنت الإدارة من تحقيق أهدافها المعلنة من العملية العسكرية وهي وقف التهديد النووي وفتح المضيق، دون تكبد عناء احتلال أو حرب طويلة الأمد، كما أن الاتفاق “قائم على الأداء” (Performance-based)، مما يمنح واشنطن نفوذاً للتراجع إذا لم تلتزم إيران، وهو ما يختلف جوهرياً عن اتفاق 2015 الذي انتقده ترامب بشدة.
في المقابل فإن الثمن هو قبول الولايات المتحدة بجدول زمني طويل قد يسمح لإيران بالمماطلة، وترك الاحتلال الإسرائيلي خارج المعادلة، مما يثير تساؤلات حول مدى التزام تل أبيب بالبنود المتعلقة بلبنان.
من وجهة النظر الإيرانية فقد حققت طهران اختراقاً دبلوماسياً كبيراً؛ إذ حصلت على اعتراف أمريكي بشرعية مصالحها، وتعهد برفع الحصار البحري، وإطلاق سراح أرصدتها المجمدة تدريجياً، ووعد باستثمارات ضخمة لإعادة الإعمار.
ومع ذلك، فإن إيران وافقت على “تخفيف” اليورانيوم المخصب تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهو تنازل غير مسبوق، كما أن بقاء العقوبات مرتبطاً بالسلوك النووي يبقيها تحت الضغط، وفق متابعين.
الورقة الإسرائيلية المفقودة
تشير المصادر إلى أن تل أبيب لم تكن طرفاً في التفاوض، وقد طلبت الاطلاع على النص النهائي لكنها قوبلت بالرفض، ويتحدث النص عن احترام سيادة لبنان، وهو ما قد يتعارض مع العمليات الإسرائيلية ضد حزب الله.
ويرى البعض أن هذا الغياب الإسرائيلي قد يجعل الاتفاق هشاً، خاصة مع تصريحات المسؤول الإيراني بأن مضيق هرمز لن يعود إلى ما كان عليه قبل الحرب، وأن إيران تنوي فرض رسوم على العبور بعد الـ 60 يوماً، مما قد يكون سبباً لتجدد التوتر.
ويمثل هذا الاتفاق أكثر من مجرد هدنة؛ فهو إعادة ضبط للعلاقة بين واشنطن وطهران، تنتقل بها من المواجهة العسكرية إلى طاولة المفاوضات، لكن التحدي الأكبر يكمن في الفترة الزمنية المقبلة وهي مهلة الستين يوماً لإنهاء تفاصيل شائكة مثل البرنامج النووي والانسحاب العسكري الأمريكي من محيط إيران، ومضيق هرمز، وملف لبنان.






