هيمن الشأن اللبناني على تغطية الصحف السويسرية لشؤون الشرق الأوسط في الأيام الأخيرة، مع تركيز خاص على استيلاء الجيش الإسرائيلي على قلعة الشقيف التاريخية في جنوب لبنان، حيث تباينت قراءة وسائل إعلام سويسرية لهذا الاحتلال من زوايا مختلفة، بين من أشار إلى الرمزية التاريخية، ومن شكك في الجدوى الاستراتيجية، ومن حذر من التداعيات السياسية والإنسانية على لبنان ومستقبل الأمن الإقليمي ككل.
وتناولت صحيفة “لوتون” السويسرية فرضية تشير إلى أن إسرائيل قد تسعى إلى تقسيم لبنان وسوريا إلى كيانات طائفية صغيرة، مما يؤدي إلى إعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط على المدى البعيد.
وأشارت الصحيفة إلى أن هذه الاستراتيجية المفترضة قد تقوم على إنشاء تواصل جغرافي بين الجولان وجبل الشيخ وجنوب لبنان، في ظل وجود علاقات تربط الاحتلال الإسرائيلي بالميليشيات التابعة لحكمت الهجري وغيرهم في سوريا ولبنان.
وكتبت الصحفية صوفي وولدغن أن الجيش الإسرائيلي سيطر على قلعة الشقيف، وهو حصن من القرون الوسطى يطل على المنطقة منذ نحو تسعة قرون، ووصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو السيطرة عليها بأنها “مرحلة لافتة ومنعطف حاسم”.
وقالت الصحيفة إن دبلوماسيين أوروبيين في بيروت لم يعودوا يخفون شكوكهم في الأهداف الإسرائيلية، ونقلت عن دبلوماسي أوروبي رفيع قوله: “نُبقي على وهم أن إسرائيل تريد الخير للبنان، وانطلاقا من هذا الوهم، يجب إثبات أن حزب الله هو المسؤول عما يحدث في لبنان”.
وأشارت الصحيفة إلى أن غالبية سكان الجنوب يعتبرون أن هدف إسرائيل الوحيد هو “التموضع على أراضيهم”، مستشهدة بتصريح وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير في 15 أيار، إذ أكد أن لدى إسرائيل “خطة استيطانية للبنان”.
ويرى كريم إميل بيطار، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة القديس يوسف في بيروت، أن “قسما كبيرا من المحللين اللبنانيين يعتبرون أن هذه الحرب تهدف قبل كل شيء إلى دفع لبنان وسوريا نحو الفوضى والتفكك”، مضيفاً أن إسرائيل “لن تنظر بسلبية إلى تفكك الدول المركزية لصالح نشوء دويلات طائفية صغيرة”.
وصرّح الزعيم اللبناني وليد جنبلاط قائلاً: “لدى إسرائيل خطة لتقسيم الشرق الأوسط بأسره على غرار منطقة البلقان”، ونقلت “لوتون” عن دبلوماسي أوروبي رفيع قوله: “سمعت أن الإسرائيليين كانوا يعتزمون جعل جنوب لبنان أرضا للدروز”.
وقال بيطار إن “المصادر الدبلوماسية الغربية قد تكون محقة عندما تتحدث عن رغبة إسرائيل في إنشاء تواصل جغرافي بين المناطق المحتلة في جنوب لبنان وتلك المحتلة في سوريا”.
من جانبه، قال خضر الغضبان، عضو المكتب السياسي في الحزب التقدمي الاشتراكي: “هذا المخطط موجود، ونحن نعمل بجد لثني أبناء طائفتنا عن الانخراط فيه”. وأضاف: “تحاول إسرائيل فصلنا عن المجتمعات التي نعيش معها عبر إبراز هويتنا الخاصة، وتحاول توظيفنا لجعل المنطقة أكثر اضطراباً”.
ويستشهد الغضبان بأحداث ربيع 2025 في سوريا، ومنها زيارة وجهاء من جنوب سوريا إلى مقام النبي شعيب في الأراضي المحتلة، حيث كانت هذه التطورات تهدف إلى دفع سكان المنطقة للانتقال إلى سفوح جبل الشيخ، من خلال تشجيع سكان المناطق المتضررة على بيع منازلهم والاستقرار في قرى قريبة من الحدود مع لبنان والجولان المحتل، غير أنه يشير إلى أن المشروع لم ينجح بعد تدخل سياسي، رغم استمرار التوترات بين الميليشيات والحكومة السورية.
وتخلص الصحيفة إلى أن سيناريو إنشاء كيان انفصالي لا يبدو وشيكاً، وسيصطدم بعقبات جغرافية وديموغرافية كبيرة، لكن بيطار يحذّر من أن “تقطيع لبنان وسوريا إلى دويلات طائفية مصغّرة وهم بالغ الخطورة، لمن يعرف مدى تداخل السكان”.






