في خطوة تعكس تحولاً في العلاقات الثنائية بين سوريا وألمانيا، قام الرئيس السوري أحمد الشرع بزيارة رسمية إلى برلين يوم الأحد الموافق 29 آذار 2026، حيث عقد محادثات رفيعة المستوى مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس، وتأتي هذه الزيارة، وهي الأولى من نوعها للرئيس الشرع إلى ألمانيا، بعد تأجيل سابق كان مقرراً في كانون الثاني الماضي بسبب التصعيد العسكري، لتعيد التأكيد على مسار الدعم الأوروبي المتزايد للانتقال السياسي وجهود إعادة الإعمار في سوريا.
وقد ترأس الشرع وفداً رسمياً رفيع المستوى ضم مسؤولين كبار، منهم وزيرا الطاقة والاقتصاد حيث كان في استقباله مسؤولون ألمان قبل المباحثات الموسعة مع المستشار ميرتز، وشملت أجندة الزيارة جلسة مباحثات ثنائية تركزت على سبل تعزيز التعاون، أعقبها منتدى اقتصادي سوري-ألماني جمع كبار ممثلي قطاع الأعمال والحكومة في البلدين لاستكشاف فرص الاستثمار في مرحلة إعادة الإعمار.
محاور الزيارة وأهميتها الاقتصادية
ركزت المباحثات على عدة محاور حيوية تعكس عمق الشراكة الاقتصادية المرتقبة بين الجانبين، حيث تمحورت حول الاستقرار الاقتصادي وإعادة الإعمار.
وأكدت الحكومة الألمانية أن هدفها الأساسي هو مساعدة سوريا على أن تصبح “دولة مستقرة ومزدهرة”، فيما ناقش الجانبان سبل إعادة دمج سوريا في النظام المالي الدولي، وهو شرط أساسي لجذب الاستثمارات الأجنبية وتدفق رؤوس الأموال اللازمة لإعادة الإعمار.
كما تم التطرق إلى التعاون في مجال الطاقة، الذي يُعد ركيزة أساسية لإنعاش الاقتصاد السوري.
التعاون في سوق العمل
يأتي النقاش حول إعادة تأهيل الكوادر البشرية في إطار مقترحات لاتفاقيات التوظيف الثنائية، وتشير الدراسات إلى إمكانية توقيع اتفاقية استقدام عمالة ماهرة بين البلدين، حيث تهدف إلى معالجة النقص الحاد في المهارات في ألمانيا (خاصة في قطاعات الرعاية الصحية وتقنية المعلومات والبناء) من جهة، ودعم جهود إعادة الإعمار في سوريا من خلال تحويلات المغتربين ونقل الخبرات من جهة أخرى.
وقد أشار الشرع في كلمة اليوم الاثنين خلال منتدى الأعمال الألماني السوري المنعقد في برلين، إلى إجراء تعديلات كثيرة على قانون الاستثمار لتسهيل وتشجيع الاستثمارات في سوريا مؤكدا أنها تشكل ملاذاً آمناً لسلاسل توريد الطاقة عبر موقعها الاستراتيجي وأن فيها فرص استثمارية كبيرة بالبنى التحتية والثروات النفطية والغازية.
كما لفت إلى أن وجود جالية سورية كبيرة في ألمانيا مفيد للجهات الألمانية التي ترغب بالاستثمار في سوريا، عبر الاستفادة من هذه الكوادر التي تعلمت في الجامعات الألمانية.
المشاريع المرتقبة والتمويل الألماني
على الرغم من أن زيارة الشرع ركزت على رسم السياسات العامة، إلا أن الزيارة تأتي في سياق تمويلات ألمانية ضخمة بدأت فعلياً بالتنفيذ.
ومن أبرز تلك التمويلات توقيع مذكرة تفاهم بقيمة 30 مليون يورو من الحكومة الألمانية (عبر بنك التنمية الألماني KfW) بالشراكة مع وزارة الصحة السورية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) لإعادة تأهيل خمسة مستشفيات عامة كبرى في حماه وحمص وإدلب ودرعا ودير الزور. يهدف المشروع الذي يمتد لـ 36 شهراً إلى استعادة الخدمات الصحية لنحو 895 ألف نسمة.
وفي قطاع الرعاية الصحية الأولية تقدم ألمانيا تمويلاً إضافياً بقيمة 26.5 مليون يورو لإعادة تأهيل 25 مركزاً للرعاية الصحية الأولية في مختلف المناطق، مع توفير حلول للطاقة المتجددة لضمان استمرارية الخدمة في المجتمعات المحرومة.
وقد أعلن وزير الطاقة محمد البشير خلال منتدى الأعمال السوري الألماني في برلين أن سوريا ستوقع مذكرتين مع شركة “سيمنس” من أجل التعاون والعمل على بناء نظام قيادة وتشغيل للشبكة السورية، ومذكرة مع شركة “كناوف” لصناعة ألواح الجبس، وكذلك للتعاون في مجالات المياه والطاقة.
وفي السياق الأوروبي والدعم المالي الموسع تندرج الزيارة ضمن مسار أوسع للانفتاح الأوروبي على سوريا، ففي وقت سابق من هذا العام، زار رئيسا المفوضية الأوروبية والمجلس الأوروبي دمشق، معلنين عن حزمة دعم مالي كبيرة لسوريا تصل إلى حوالي 620 مليون يورو للعامين 2026 و2027، تشمل المساعدات الإنسانية ودعم التعافي المبكر.
وقد أكدت برلين أن زيارة الشرع تهدف إلى تعزيز هذا الزخم، مع التركيز على استقرار الاقتصاد الكلي وتأهيل البنى التحتية.
وتمثل زيارة الرئيس الشرع إلى برلين نقطة تحول استراتيجي في العلاقات السورية-الألمانية، حيث انتقلت العلاقات من مرحلة المساعدات الإنسانية الطارئة إلى مرحلة الشراكة الاقتصادية المنظمة وإعادة الإعمار، ويُتوقع أن تفتح الزيارة الباب أمام تدفق استثمارات ألمانية أوسع في قطاعات الطاقة والبنية التحتية، كما أنها تضع الأسس لإطار قانوني منظم لحركة العمالة بين البلدين.





