تستعد مدينة الحسكة السورية شمال شرقي البلاد لدخول مرحلة تاريخية خلال الساعات القليلة المقبلة، في ظل ترقب تنفيذ اتفاق تم التوصل إليه بين الحكومة السورية في دمشق وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، والذي يفتح الباب أمام عودة سيطرة الدولة المركزية على المنطقة لأول مرة منذ سنوات.
ويقضي الاتفاق بدخول قوات الأمن السورية إلى مدينة الحسكة كخطوة أولى تمهيدية، على أن يُتبع ذلك تنفيذ بقية البنود المتعلقة بإعادة انتشار الجيش السوري في محيط ومناطق أخرى تابعة للمحافظة.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة ليست مجرد إجراء أمني، بل هي اختبار جدي لمصداقية التزام جميع الأطراف، وستحدد إلى حد كبير مصير التفاهمات الأوسع التي تطمح الحكومة إلى تحقيقها لاستعادة سيطرتها على كامل الجغرافيا السورية شرق الفرات.
تحول في السياق الدولي والإقليمي
قال الكاتب الصحفي والمحلل السياسي عبد الرحيم خليفة، لـ “حلب اليوم”، إن ما يمهد الطريق لتنفيذ هذا الاتفاق في هذا التوقيت بالذات ليس رغبة دمشق وحدها، بل تغير محسوس في الموقفين الإقليمي والدولي، باتجاه قبول ضرورة إعادة الدولة السورية لبسط سيطرتها على كامل أراضيها، وإنهاء حالة الانقسام العسكري والإداري.
وأشار إلى أن الدول الكبرى، بما فيها الولايات المتحدة، التي دعمت “قسد” سابقاً، تبدي الآن مواقف أقل تشدداً في معارضة عودة الجيش السوري، في إطار الحل السياسي والتصدي للفوضى.
تكتلات داخل “قسد” ورهانات متباينة
وحول إمكانية تنفيذ الاتفاق من قبل “قسد”، أوضح خليفة أن القوات لا تمثل كتلة موحدة، بل تضم تحالفاً من الميليشيات ذات الأجندات المتنوعة، مشيرا إلى وجود تيار داخلي يتمسّك بالهوية الوطنية السورية، وقد يكون أكثر استعداداً للتعاون مع دمشق والالتزام ببنود الاتفاق، بما في ذلك القبول بتعيين مسؤولين مركزيين في المحافظة، أو حتى إمكانية تخصيص منصب نائب لوزير الدفاع لتمثيل هذه القوات.
في المقابل، يُشير الكاتب إلى وجود تيارات أخرى، يُطلق عليها “قنديلية”، وهي تعمل بالأساس بأجندات خارجية مرتبطة بقوى إقليمية (تركية أو إيرانية)، ويعتبر أن هذه التيارات تفتقر إلى الرغبة الحقيقية في تسليم السيطرة، وقد تُحاول المماطلة أو حتى استفزاز الجيش السوري لخلق مبرر لعودة التدخل الخارجي أو لتعطيل العملية.
سيناريوهان رئيسيان
يتوقع خليفة سيانريوهين؛ الأول (الإيجابي): تنفذ “قسد” الاتفاق بشكل سلس، ويتم دخول القوات الأمنية والجيش السوري إلى الحسكة ومناطق أخرى، مع انسحاب العناصر غير السوريين من وحدات الحماية ypg نحو قواعدهم في العراق، والتزام التيار الوطني السوري داخل “قسد” بالاندماج تدريجياً في أجهزة الدولة وفق صيغ متفق عليها.
أما السيناريو الثاني الذي يتخوف منه المحلل السوري، فهو أن تعمل بعض التيارات داخل “قسد” على المماطلة أو تخلق حوادث استفزازية تستهدف الجيش السوري، معتبرا أن هذا من شأنه أن يؤدي إلى تدخل القوات الدولية الموجودة في المنطقة مجدداً، ويعيد الأزمة إلى نقطة الصفر، مع احتمالية تصعيد عسكري محدود.
ويلفت إلى أن الحكومة السورية تبدي صبراً استراتيجياً واضحاً، وتفضل خيار التفاوض والتدرج في فرض سيادتها تجنباً لإراقة الدماء واندلاع مواجهات عسكرية واسعة في مناطق مكتظة بالسكان، “لكن هذا الصبر له حدود، وستكون الساعات القادمة بمثابة محك لمصداقية الأطراف الأخرى”.
ويعتقد المحلل أن القيادة في “قسد” تدرك أن المشهد الدولي يتغير، وأن دعمهم الخارجي لم يعد كما كان في السابق، مما قد يدفعهم للتعاون لإنقاذ ما يمكن إنقاذه والحصول على ضمانات مستقبلية.
وفي النهاية فإن الرهان الحقيقي والوحيد لإنقاذ المنطقة من المزيد من التعقيدات، واستعادة عجلة الحياة فيها – بحسب خليفة – هو تغليب المصلحة الوطنية السورية العليا، مع الأمل في أن ينتصر التيار الوطني داخل “قسد” على الأجندات الخارجية، مما يمهد الطريق أمام تعاف تدريجي لأوضاع المحافظة.






