في خضم التهدئة الحذرة التي أعقبت الإعلان عن اتفاقية اندماج قسد في مؤسسات الدولة، تشهد منصات التواصل الاجتماعي عاصفة منشورات مُنسقة تروج لمزاعم عن انتهاكات ضد المدنيين والأكراد في المناطق التي استعادت الدولة السيطرة عليها، ووفق مصادر سورية رسمية، تهدف هذه الحملة، التي تُنسب لحسابات مرتبطة بتنظيم قسد وحزب العمال الكردستاني (PKK)، إلى تأجيج التوترات وإفشال الحل السلمي ودفع البلاد نحو اقتتال داخلي.
وقد رصدت منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية انتشاراً واسعاً لعشرات الآلاف من المنشورات، تتضمن صوراً ومقاطع فيديو يُزعم أنها من مناطق عودة سيطرة الحكومة السورية، وتهدف هذه المواد إلى “التجييش والتحريض” من خلال سردية تقدم المعارك على أنها “حرب إبادة ضد الأكراد”، رغم التأكيدات الرسمية المستمرة على حماية جميع المواطنين والفصل التام بين الهوية الكردية والمشاريع الانفصالية لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) وذراعه العسكري.
وتروج الحسابات نفسها لادعاء أن قسد هي الضامن الوحيد لحماية الأكراد، لكن الوقائع تناقض هذا التوجه بما في ذلك نشر مقاطع مصورة من حي جويران بمدينة الحسكة، يظهر فيها عناصر يطلقون تهديدات تتضمن عبارة “إما نحن أو الشعب”، كما نقلت منصة “إيكاد” للرصد.
والادعاء الثاني يقوم على أن قسد هي حاجز ضد عودة تنظيم الدولة، وقد نفت وزارة الداخلية السورية هذه الادعاءات جملة وتفصيلاً، مشيرة إلى أن إطلاق سجناء من التنظيم يدحض مزاعمها، مؤكدةً رفضها الخضوع للابتزاز وأنها ستتولى مهمة حفظ الاستقرار في كل مناطق البلاد.
كما نشرت بعض الحسابات مقطع فيديو زعمت أنه يوثّق حرق معبر نصيبين الحدودي بين سوريا وتركيا أثناء محاولة أكراد من تركيا العبور إلى القامشلي، لكن سرعان ما تبيّن أن ذلك الادعاء غير صحيح.
وأشارت منصة “تأكد” إلى أن البحث العكسي أظهر أن الفيديو قديم ونُشر في 09 كانون الثاني/ يناير 2026 في سياق احتجاجات داخل إيران.
اتفاقية الاندماج والواقع الميداني
جاءت هذه الحملة التضليلية عقب إعلان الرئيس السوري أحمد الشرع، أول أمس، توقيع اتفاقية لاندماج قسد مع الحكومة السورية ووقف إطلاق النار، ونصت الاتفاقية على حل جميع الملفات العالقة بعد تحقيق وقف شامل وفوري لإطلاق النار، وانسحاب التشكيلات العسكرية التابعة لـ “قسد” إلى شرق الفرات كخطوة تمهيدية لإعادة الانتشار.
وعلى الأرض،لا تزال الأوضاع في حالة هدوء حذر، لكن تمسك قياديين في “قسد” موالين لـ “حزب العمال الكردستاني” PKK بخيار التصعيد ورفض الحلول، مستمرين في خطاب يدعي “الدفاع عن القضية الكردية”، يتسبب في إعاقة تنفيذ الحل.
وتستمر قسد في استخدام هذا الخطاب رغم صدور مرسوم تشريعي أنهى عقوداً من التمييز ضد الأكراد سادت في زمن النظام البائد، ودعوة الحكومة لكافة الشرائح للانخراط في السلم الأهلي.
وتُظهر الحملة الإلكترونية المكثفة حجم التحدي المعلوماتي الذي يرافق عملية التسوية السياسية والعسكرية في شمال شرق سوريا، وبينما تدفع الحكومة باتجاه تنفيذ اتفاقية الاندماج تحت مظلة الدولة، تسعى أطراف مرتبطة بـ PKK، عبر حرب نفسية، إلى إطالة أمد الوجود المنفصل واستثارة النعرات، وهو ما يستدعي مواجهة خطاب التحريض، وحث الأهالي على رفض الانزلاق نحو صراع يخدم أجندات خارجية على حساب مستقبل سوريا الموحدة.





