لا تزال حالة الفصائلية في الشمال السوري عصيّة على أية محاولة للتوحيد، بينما تزداد مشاكل وسلبيات المنطقة ميدانياً وعسكرياً واقتصادياً واجتماعياً، وسط تغيرات كبرى قد تحل بالملف السوري عاجلاً أو آجلاً.
ويؤدي تفرق القوة والقدرة الكامنة لدى الفصائل في جهات متعددة مختلفة المصالح إلى إضعافها، وإضاعة قسم كبير من المجهود الحربي والمالي في صراعات لا تصب في صالح المدنيين.
ويوجد لدى كل فصيل قواته العسكرية الخاصة وقطاعاته وحواجزه ومناطق سيطرته، كما يمتلك قوى أمنية تقوم بدور الشرطة والمخابرات في آنٍ معاً.
وتُضعف حالة التشتت و الفصائلية في الشمال السوري الدور الأساسي للعسكر في الدفاع عن حدود المنطقة، وخطوط التماس مع الأعداء، وكثيراً ما استغل العدو ذلك في تحقيق مكاسب له على الأرض.
وكانت الحكومة السورية المؤقتة ووزارة الدفاع قد عملتا على تفعيل دور الشرطة العسكرية ودعمها، حيث راهنتا على مقدرتها في إنهاء حالة الفصائلية عبر وجود قوة مسؤولة عن ضبط اﻷوضاع وإنهاء تجاوزات عناصر الفصائل، لكن الشرطة العسكرية نفسها وقعت ضحية للفصائلية.
ومن أبرز المشاكل المحيطة بقوات الشرطة العسكرية؛ أنها مجمعة من الفصائل؛ حيث يتداخل فيها الولاء للفصيل مع الولاء للشرطة نفسها.
كوارث اقتصادية
يقول “محمد .ع” من سكان الريف الشمالي لـ”حلب اليوم” إنه لاحظ حضوراً أقوى للشرطة العسكرية في المنطقة خلال السنوات اﻷخيرة، لكنه لم يلحظ تغيراً جوهرياً لناحية ضبط الفوضى ووضع حدّ للتجاوزات.
وأكبر تلك التجاوزات – بحسب رأيه – هو تسلّط الفصائل على التجارة وتشغيل رؤوس الأموال، وتحصيلها عبر الحواجز، وإلى ما هنالك من “المصائب الكبيرة” التي لا تستطيع الشرطة العسكرية مجرد طرح فكرة معالجتها.
وتوجد لدى كلٍّ من فصائل المنطقة نشاطات تجارية واقتصادية، وهي في كثير من الأحيان لا تحافظ على تكافؤ الفرص مع أصحاب النشاطات الاقتصادية الآخرين.
وعلى الرغم من أنه لم يعد للفصائل حواجز خاصة، إلا أن الحواجز المشتركة التي تمّ الاتفاق عليها العام الماضي، ما زالت تُسهم في رفع أسعار المواد، وتقييد حركتها، وإضعاف قدرة روّاد اﻷعمال وأصحاب رؤوس اﻷموال على الانطلاق بمشاريع تصب في صالح المدنيين.
ويتم تخصيص مصاريف كبيرة وسط حالة من البذخ لقيادات فصائلية من حيث المقرات والمزارع والولائم وغيرها، فيما تتدخل بعض الفصائل بعمل منظمات المجتمع المدني والشركات الخاصة وحتى المؤسسات العامة.
ولبعض الفصائل مصدر دخل إضافي من جراء تقديم خدمات الحماية للأغنياء وللتجارة وغيرهم، مما يزيد التكاليف ويرفع الأسعار على المستهلك.
ولكن يبقى الحال أفضل مما هو عليه في مناطق سيطرة الديكتاتوريات، بسبب تعدد الجهات المسيطرة.
وقد وضعت بعض الفصائل يدها على موارد عامة للبلد مثل المعابر وبعض الموارد الطبيعية، مما حرم المؤسسات العامة من إيراداتها وانعكس على تراجع مستوى الحياة للمواطنين، ولكن الحال أسوأ لدى الديكتاتوريات حيث يقوم بذلك الأمراء بدل الفصائل بدون حسابات لبعضهم فيقتسمون الكعكة بالكامل تحت إدارة وإشراف الديكتاتور.
فوضى السجون والسلاح
بعد مرور خمسة أعوام على تشكيل محكمة عسكرية في الشمال السوري، ما يزال هناك لكل فصيل سجونٌ ومعتقلات وقد تكون بعضها سرية.
يشكو أحد المدنيين من اختفاء ولده قسراً منذ عدّة سنوات، ويقول لـ”حلب اليوم” إنه يريد محاكمة ولده علناً ومعرفة جرمه، حيث ينتقد الطريقة التي يراها مشابهةً لطريقة سلطة اﻷسد في اعتقال المدنيين.
ويقول الحاج “عبد الرحيم .س” إن ولده مُتّهم بالتعاون مع تنظيم “الدولة”، وإنه لا يمانع من محاكمته ومعاقبته إن ثبتت إدانته، لكنه لا يعلم في أي سجن أصبح اليوم بعد سنوات من اختفاءه، كما أنه يتخوف من وفاته في المعتقلات، حيث أن ادارة السجون قد لا تصرح بالمعتقلين لديها، وتنتهي دائماً رحلة البحث عنه بين السجون بالفشل.
ومما يزيد اﻷمر سوءاً ارتباط بعض عصابات المخدرات والسرقة وتهريب البشر والآثار والمواد، بل وأيضاً المفخخات، بفصائل معينة، حيث تعمل تحت حماية هذه الفصائل، ومما يكرس مفهوم الاحتماء بالفصيل والمناطقية هو أن بعض مكونات الفصائل تنتمي إلى مناطق أو قرى أو مكونات بذاتها، وهو ما يتم تعزيزه بدلاً من المواطنة.
أما فوضى السلاح، فقد باتت أمراً معروفاً، ولعلّ آخر ضحاياها المدنيون اﻷكراد الذين لقوا حتفهم في “جنديرس” قرب “عفرين” منذ أيام.
وتقوم بعض أجزاء من الفصائل بالتعامل مع قضايا وخلافات مدنية من خلال التهديد بالسلاح، وفي أحيان أخرى باستخدام السلاح الخفيف بل والمتوسط، مما يجعل بعض أفراد الفصائل فوق القانون ولا يجرؤ أحد على محاسبتهم.
تهديد لحرية المواطن قد يعيدنا إلى نقطة البداية
تعتقل بعض الفصائل مدنيين خارج القانون، ﻷسباب وحسابات شخصية، مما يهدد الحريات العامة في الشمال المحرر، وهو ما كان سبباً رئيسياً خرج من أجله السوريون في ثورة ضدّ سلطة اﻷسد قدمت ضحايا بالملايين.
ولكن بالرغم مما سبق، فإن تقاسم السلطة والنفوذ بين عدة جهات، حال دون فرض السيطرة التامة لجهة واحدة محدّدة، أي أن الفصائلية بذاتها فتحت مناخ حريات أكبر من حالة الديكتاتور مثل ما هو الحال في مناطق سيطرة “قسد” و “هيئة تحرير الشام”.
ولا يعتمد العسكريون في المحرر لفرض نفوذهم على الترهيب بل تقوم بعض الفصائل بشراء الولاءات من الإعلاميين وأصحاب المصالح ووجهاء المجتمع، كما أن بعض قادة الفصائل لهم ولاءات خارجية مرتبطة بهذه الدولة أو تلك بعيداً عن وطنهم.
وفي الختام فإن التطورات المحيطة بالمنطقة وارتفاع المخاطر اليوم يجعل من الضرورة بمكان الاعتماد على القوة الذاتية في وجه أي استهداف للمنطقة، وهو ما يستدعي التوحّد وتطبيق القانون على الجميع.