لم يكن حديث حاكم مصرف سوريا المركزي محمد صفوت رسلان، في جلسة “الآفاق الاقتصادية لسوريا”، مجرد عرض للإنجازات، بل محاولة لرسم خريطة طريق اقتصادية تقوم على مقاربة مختلفة تعتبر أن سوريا لا تواجه تحديات بقدر ما تواجه فرصاً، مع التأكيد أن القطاع المصرفي يعمل اليوم على بناء أساسات لا يراها المواطن بعد، لكنها ستحدد ملامح المرحلة المقبلة.
جاءت مشاركة رسلان ضمن فعالية إطلاق تقرير سوريا 2026، وهي فعالية تحمل دلالة مزدوجة: فهي من جهة منصة لعرض رؤية اقتصادية، ومن جهة أخرى رسالة طمأنة للمستثمرين والشركاء الدوليين بأن سوريا تسير في مسار إصلاحي واضح.
“فرص لا تحديات”
اختار حاكم المركزي منذ اللحظة الأولى تجاوز لغة التشاؤم مؤكداً أنه لا يرى تحديات، بل “فرصاً حقيقية.. فرصاً جبارة”، مضيفاً أن هذا الخطاب ليس مجرد تفاؤل سياسي، بل “يستند إلى مؤشرات ملموسة، أبرزها الخروج من القائمة الرمادية”، الذي وصفه الحاكم بأنه “مسألة وقت”.
واللافت في الطرح أن الحاكم لم يقدّم القائمة الرمادية كعقبة مطلقة، بل كواقع يُدار بذكاء مضيفاً: “كثير من الدول على القائمة الرمادية لديها علاقات مصرفية مع كل دول العالم… نحن لا نستخدمها كوسيلة أو كأداة لنقول لا أحد يتعامل معنا؛ نحن على القائمة ونعمل على هذا الموضوع لنخرج منها”.
وأوضح أن هذه الصياغة تكشف عن استراتيجية مصرفية تقوم على عدم انتظار الحلول، بل العمل بالتوازي معها.
اختبار الدبلوماسية المالية في باريس
كشف الحاكم عن مشاركة سورية مرتقبة في الأسبوع القادم بباريس، حيث تأتي هذه المشاركة في توقيت حساس، إذ تعكس محاولة دمشق اختراق العزلة المالية عبر القنوات الأوروبية، والانتقال من مرحلة “إدارة القيود” إلى مرحلة “بناء الشراكات”.
وإذا كانت باريس بوابة أوروبية، فإن نجاح هذه المشاركة قد يفتح المجال أمام مسارات مماثلة في عواصم مالية أخرى.
أساسات تمتد لـ”طابقين تحت الأرض”
استخدم حاكم المركزي استعارة هندسية لوصف الوضع المصرفي الراهن قائلاً: “نحن في مرحلة البناء… نبني أساسات طابقين تحت الأرض، فالمواطن لا يرى هذين الطابقين، وممكن أن نكون وصلنا الآن إلى الطابق الأول تحت الأرض”.
وأشار الحاكم إلى أن هذا ينطبق على القطاع المصرفي، حيث يجري عمل كبير قد لا تكون نتيجته النهائية ظاهرة بعد، لكنه سيُحسّن التحويل مباشرة للأفراد، وهو ما سيستغرق بعض الوقت بناءً على عامل الثقة.
وأكد أن حجم العمل في المصرف المركزي “كبير جداً”، واصفاً رفع سوريا من قوائم الإرهاب بأنه “إنجاز كبير جداً”، مضيفاً أن المنظومة المصرفية بدأت تستعيد وظيفتها الطبيعية، وأن العزلة المالية تتراجع تدريجياً.






