مع اقتراب فصل الشتاء، تتحول أزمة المياه في الشمال السوري إلى معاناة يومية لمئات الآلاف من المدنيين؛ فمراكز ضخ المياه الحكومية التي تعتمد على محطات الطاقة الشمسية لتشغيل مضخاتها، تجد نفسها عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها مع قصر ساعات النهار وتراجع كفاءة الألواح الشمسية بسبب الغيوم والطقس العاصف.
ولا تزال مناطق واسعة في الشمال السوري خارج تغطية الشبكة الوطنية للكهرباء، وسط غياب تام للطاقة الكهربائية، فيما تتولى المنظمات الإنسانية محاولة تعويض العجز في تأمين المياه.
ولم يكن اللجوء إلى الطاقة الشمسية خياراً استراتيجياً بقدر ما كان ضرورة فرضها انقطاع الكهرباء وانعدام الوقود، ورغم أن هذه المشاريع ساهمت في السابق في تحسين الوصول إلى المياه، إلا أنها باتت اليوم نقطة ضعف مع تغير الفصول، وتشير المعطيات الميدانية إلى أن ساعات الضخ في عدد من المراكز الحكومية انخفضت بشكل حاد، ما أدى إلى تذبذب شديد في وصول المياه إلى المشتركين.
ويشمل ذلك الوضع معظم أنحاء الشمال بشقيه الغربي والشرقي، ففي مدينة الحسكة، يخضع السكان لنظام تقنين قاسٍ، حيث تصل المياه إلى بعض الأحياء كل ثلاثة أيام لساعات محدودة فقط، وهو وضع يزداد سوءاً مع دخول الشتاء، وتعاني المراكز أصلاً من عدم استقرار التغذية الكهربائية، ما يجعل الاعتماد على الشمس الخيار الوحيد، لكنه خيار غير كافٍ لتلبية الطلب المتزايد.
وتتجسد المعاناة اليومية لسكان ريف دير الزور في طوابير الانتظار أمام صنابير المياه، أو في شراء المياه من الصهاريج الخاصة بأسعار باهظة، ومع تراجع ساعات الضخ، يضطر الأهالي إلى تخزين المياه في أوعية بلاستيكية، وسط مخاوف حقيقية من تلوثها وانعدام صلاحيتها للشرب، وتزداد الكارثة مع اقتراب الشتاء، حيث تتضاعف الحاجة إلى المياه للتدفئة والطهي والنظافة الشخصية، بينما تقل القدرة على تأمينها.
وفي مخيمات النزوح المنتشرة في الشمال الغربي، لا يزال الوضع صعباً فهناك نسبة كبيرة من المخيمات تفتقر إلى المياه النظيفة، وقد فاقم انقطاع الدعم عن مشاريع المياه من معاناة النازحين، ومع هطول الأمطار وتحول الأرض إلى وحل، تصبح عملية الوصول إلى نقاط المياه شاقة، بينما تهدد الفيضانات المحطات القائمة بالغرق أو التعطل.
وفي ريف إدلب الشرقي والجنوبي الذي تعرض للدمار والتهجير بسبب الاجتياح الروسي عام 2020، يضطر السكان لشراء المياه بالصهاريج لأن الضخ الحكومي أو المدعوم من قبل المنظمات لم يعد كافيا، فمع عودة مزيد من السكان وتزايد الاستهلاك، تناقصت الإمدادات نظراً لتراجع أشعة الشمس.
ولا تقتصر أزمة المياه على العطش فحسب، بل تمتد لتهدد الصحة العامة، فمع نقص المياه النظيفة، تزداد مخاطر انتشار الأمراض المرتبطة بالمياه، مثل الإسهال والكوليرا والتيفوئيد، خصوصاً في الأرياف النائية والمخيمات، وقد حذرت المنظمات الإنسانية من أن انعدام المياه الصالحة للشرب في المخيمات والتجمعات السكنية يشكل بيئة خصبة لتفشي الأوبئة، خاصة في ظل غياب شبكات الصرف الصحي السليمة.
كما تساهم الأزمة في تعميق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، فبعض العائلات تضطر إلى إنفاق جزء كبير من دخلها المحدود لشراء المياه، بينما يعاني آخرون من البطالة بسبب توقف الأنشطة الزراعية التي تعتمد على مياه الري.
وتبرز الحاجة الملحة إلى حلول جذرية تتجاوز الاعتماد الكلي على الطاقة الشمسية، مثل تأمين مصادر طاقة بديلة ومستقرة للمحطات الرئيسية، أو إنشاء خزانات مياه استراتيجية تكفي لفترات الشح، كما يتطلب الوضع تنسيقاً أكبر بين الجهات الحكومية والمنظمات الإنسانية لضمان صيانة المحطات قبل دخول الشتاء، وتأمين قطع الغيار والمضخات الاحتياطية.






