تشهد عدة دول أوروبية موجة غير مسبوقة من الاحتجاجات والاضطرابات، نتيجة أزمات تكلفة المعيشة، وتدهور الخدمات العامة، وأزمة السكن، وارتفاع الأسعار وسط تصاعد السخط الشعبي تجاه الحكومات.
وتتركز الاحتجاجات حالياً في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبلجيكا والبرتغال وألبانيا، حيث تحولت العديد من التظاهرات السلمية إلى مواجهات عنيفة مع قوات الأمن، أسفرت عن مئات الإصابات وآلاف الاعتقالات.
ففي فرنسا، دخلت الاحتجاجات الطلابية أسبوعها الثالث على التوالي، حيث يندد الطلاب بسوء حالة المباني المدرسية، والاكتظاظ في الفصول، ونقص المعلمين، وتراجع الإنفاق على التعليم.
وتحولت الاحتجاجات في بعض المدن إلى أعمال عنف وشغب، شملت إحراق حاويات القمامة وإقامة المتاريس، وأعلنت السلطات الفرنسية عن أرقام صادمة، حيث تم توقيف ما يقارب 6629 شخصاً منذ بداية الحراك في 28 أيلول، وإصابة 215 طالباً و89 مدرساً و761 عنصراً من الشرطة والدرك.
وفي باريس ومرسيليا، استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين، بينما أُحرق المكتب السياحي في ليون وتضرر مبنى البلدية في مرسيليا.
وانتقدت الأمم المتحدة تعامل السلطات الفرنسية مع الاحتجاجات، داعية إلى “احترام حق التجمع السلمي” وتجنب “الاستخدام غير المتكافئ للقوة”.
أما في إيطاليا، فقد شهدت مدن ميلانو وبولونيا وتورينو مواجهات عنيفة بين الشرطة ومحتجين خرجوا احتجاجاً على ارتفاع تكاليف المعيشة وسياسات الحكومة، وفي ميلانو، قام مئات الشباب بمحاصرة ساحة الدومو ورشق الشرطة بالمفرقعات والزجاجات، ما أسفر عن إصابة 4 من أفراد الشرطة و20 متظاهراً وتوقيف نحو 50 شخصاً.
وفي بولونيا، استخدمت الشرطة خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع لتفريق الحشود، فيما أدانت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني أعمال العنف قائلة إن “التظاهر حق، أما إضرام النار في مدننا فليس كذلك”.
أما في إسبانيا، فقد خرجت تظاهرات حاشدة في مدريد وبرشلونة للمطالبة بتجميد الإيجارات ووقف عمليات الإخلاء، على خلفية أزمة سكن حادة تفاقمت بعد طرد امرأة مسنة (87 عاماً) من منزلها الذي عاشت فيه 70 عاماً بعد رفع الإيجار بنسبة 275%.
وقدرت السلطات عدد المشاركين في تظاهرة مدريد بنحو 70 ألف شخص، بينما قالت المنظمات المنظمة إن العدد ناهز نصف مليون، وفي برشلونة، تطورت الاحتجاجات إلى مواجهات أسفرت عن إصابة 30 شرطياً وتوقيف 13 شخصاً، بعد إقامة 28 متاريس وإشعال 22 حريقاً.
بالانتقال إلى بلجيكا، فقد شهدت بروكسل ولييج احتجاجات قادها طلاب وموظفون ضد إجراءات التقشف وارتفاع تكاليف التعليم، واستخدمت الشرطة البلجيكية خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين الذين رشقوها بالمقذوفات وأشعلوا النار في حافلة، ما أسفر عن توقيف 21 شخصاً بينهم 13 قاصراً.
كما شهدت البرتغال خروج عشرات الآلاف في لشبونة للمطالبة بتحسين الأجور ومواجهة أزمة السكن، بينما شهدت ألبانيا احتجاجات عنيفة في تيرانا للمطالبة باستقالة رئيس الوزراء بسبب تدهور الأوضاع التعليمية، أسفرت عن توقيف 167 شخصاً.
وتشير هذه الموجة الاحتجاجية المتزامنة إلى أزمة عميقة تعاني منها الدول الأوروبية، تتمثل في تراجع القدرة الشرائية، وتآكل الخدمات العامة، وتفاقم أزمة السكن، في ظل انشغال الحكومات بقضايا خارجية وزيادة الإنفاق العسكري على حساب البرامج الاجتماعية، بسبب خطر المواجهة مع روسيا.






