تحول قرار حكومي أذربيجاني بتقييد ارتداء الحجاب في المؤسسات التعليمية إلى أزمة واسعة النطاق، بعد أن منعت السلطات طالبات ومعلمات محجبات من دخول المدارس، ما فجر احتجاجات شعبية واعتقالات واسعة، وأثار ردود فعل غاضبة في العالم الإسلامي وانتقادات دولية.
وقد أقر مجلس وزراء أذربيجان في 21 أيلول الماضي تعديلات على لوائح الزي المدرسي تحظر ارتداء أي ملابس تتعارض مع “مبدأ العلمانية” أو تخل بوحدة الزي الرسمي، دون أن يذكر الحجاب صراحة في نص القرار.
وفي 6 تشرين الأول، صدرت تعليمات منفصلة بشأن ملابس المعلمين تشترط الالتزام بالزي الرسمي والطابع العلماني للتعليم.
ورغم أن القرار لا ينص صراحة على منع الحجاب، إلا أن إدارات المدارس بدأت فعلياً بمنع الطالبات والمعلمات المحجبات من دخول الصفوف، في بلد يشكل المسلمون فيه نحو 96-97% من السكان، وفقاً لتصنيفه الدستوري كدولة علمانية.
مشاهد مؤثرة واحتجاجات واسعة
تداولت وسائل الإعلام ومستخدمون على منصات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو مؤثرة تظهر طالبات يبكين عند أبواب المدارس بعد منعهن من الدخول، ومعلمات يودعن تلاميذهن بالدموع بعد إبلاغهن بضرورة خلع الحجاب أو مغادرة المدرسة.
وشهدت مدارس في العاصمة باكو ومنطقة ماسالي احتجاجات طلابية، حيث قاطع طلاب حصصهم الدراسية تضامناً مع زميلاتهم المحجبات، ورفع متظاهرون خارج المدرسة رقم 69 في بلدة بالاخاني بباكو لافتة كتب عليها “الحجاب ليس عائقاً أمام التعليم”.
وأفادت تقارير محلية بأن طالبات ومعلمات نظمن حصصاً دراسية في حدائق المدارس التي رفضت السماح لهن بالدخول إلى الفصول، كما ذكرت وسائل إعلام أن والدة أحد قتلى حرب قره باغ مُنعت من دخول مدرسة بسبب حجابها، ما فجر موجة تعاطف واسعة.
اعتقالات وقمع
أعلنت وزارة الداخلية الأذربيجانية في 12 تشرين الأول اعتقال 37 شخصاً بتهمة “الإخلال بالنظام العام” و”تنظيم أعمال تخالف النظام العام”، متهمة الموقوفين بإثارة نزاعات مع العاملين في المؤسسات التعليمية وإلحاق أضرار بها ومحاولة عرقلة عملها.
كما أفادت تقارير محلية بإحراق سيارة مدير مدرسة ثانوية في منطقة غاراداغ، في تصعيد لافت للاحتجاجات، وذكرت تقارير أن معلمة محجبة في مدرسة رقم 90 بباكو تم فصلها من عملها.
وفي تطور لافت، أعلن الصحفي المسجون بولاد أصلانوف، المحكوم بالسجن 113 عاماً بتهمة الخيانة العظمى، بدء إضراب عن الطعام احتجاجاً على القيود الجديدة، وقال في رسالة نشرتها زوجته على فيسبوك إنه يرفع صوته ضد “انتهاك حقوقنا الدستورية”، مضيفاً أنه يدافع عن حق ابنته وجميع الطالبات المحجبات في التعليم.
وتزامنت الاحتجاجات مع تقارير عن اضطرابات في خدمات الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي. وأفاد مستخدمون في أذربيجان بأن تطبيقي إنستغرام وتيك توك أصبحا يعملان فقط عبر شبكات VPN، دون صدور إعلان رسمي عن حجب أو تقييد. ولم تؤكد منظمات مراقبة الإنترنت مثل NetBlocks هذه التقارير بشكل مستقل.
موقف أمريكي
دعا مجلس العلاقات الأمريكية-الإسلامية (CAIR)، أكبر منظمة مسلمة لحقوق المدنية في الولايات المتحدة، وزارة الخارجية الأمريكية إلى الضغط على حكومة أذربيجان لقلب قرار منع الحجاب، واصفاً إياه بـ”العنصري والفاشي”.
وقال المجلس في بيان: “منع المعلمات والطالبات المسلمات من الالتحاق بالمدارس العامة ما لم يخلعن حجابهن يمثل هجوماً ليس فقط على المجتمع المسلم، بل على المبدأ الأساسي لحرية الدين”.
غضب تركي
امتدت موجة الاحتجاجات إلى تركيا المجاورة، حيث تظاهر متظاهرون أمام القنصلية الأذربيجانية في إسطنبول احتجاجاً على القيود.
وقالت إحدى المنظمات للصحفيين: “حجابنا ليس زيًا مدرسيًا، إنه ليس مجرد مسألة حقوق إنسان، الحجاب هو هوية المرأة المسلمة نفسها”.
وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد انتقد في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 أيلول “حظر الحجاب في مدارس بعض الدول، الذي يشكل انتهاكاً للحقوق الأساسية”، كما انتقد أوكتاي سارال، المستشار الرئيسي للرئيس التركي، القيود في منشور على منصة إكس، قائلاً: “تقييد حق الطالبات المحجبات في التعليم غير مقبول. أي ضمير وأي عدالة تسمح بترك طالبة تغطي رأسها وفقاً لمعتقداتها الدينية على عتبة المدرسة؟”.
يأتي هذا التطور في ظل توتر غير معتاد في العلاقات بين أذربيجان وتركيا، الحليفتين التقليديتين.
وذكرت تقارير أن الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف وجّه في كلمة خلال مؤتمر حزبه “الأذربيجاني الجديد” انتقاداً مبطناً لتركيا، محذراً من محاولات “التدخل في نمط حياتنا”، دون أن يسمي تركيا صراحة.






