في فجر الحادي والعشرين من آب عام 2013، استيقظت سوريا والعالم على مشهد لم تعرفه الإنسانية في قرنها الحادي والعشرين. مشهد لم يكن فيه دماء، بل اختناق صامت لم تكن فيه معارك، بل استهداف ممنهج للمدنيين وهم في منازلهم.
في تلك الليلة الظلماء، ارتكب نظام الأسد المخلوع مجزرة الغوطة الشرقية باستخدام غاز السارين، في واحدة من أبشع الجرائم التي شهدها العصر الحديث.
فصول الليلة الأكثر ظلمة
وفقاً للشبكة السورية لحقوق الإنسان، شنت قوات النظام أربعة هجمات كيميائية متزامنة، مستخدمة ما لا يقل عن عشرة صواريخ محملة بغاز السارين، بكمية إجمالية تُقدر بنحو 200 لتر .
بدأ القصف عند الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل واستمر حتى الخامسة فجراً، واستغلت قوات النظام البائد الظروف الجوية التي أبقت الغازات السامة قريبة من سطح الأرض، لضمان سقوط أكبر عدد ممكن من الضحايا وهم نائمون في منازلهم.
وعند السادسة صباحاً، بدأت جحافل المصابين، الذين صارعوا الاختناق، تتوافد إلى المستشفيات في زملكا وعين ترما وعربين والمعضمية وغيرها من المناطق.
إحصاءات المجزرة
قدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان عدد القتلى بـ 1144 شخصاً، بينهم 99 طفلاً و194 امرأة، فيما رجحت تقارير حقوقية أخرى أن العدد تجاوز 1400 قتيل، فيما أصيب نحو 6000 شخص بحالات اختناق وأعراض عصبية حادة.
أدلة دامغة
أكد فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة، وجود “أدلة واضحة ومقنعة” على استخدام صواريخ أرض-أرض محملة بغاز السارين في الهجوم على عين ترما، وزملكا، والمعضمية .
وأشار تقرير صادر عن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في عام 2014 إلى أن “كميات كبيرة من غاز السارين استُخدمت في هجوم خُطط له بشكل محكم لاستهداف مناطق مأهولة بالمدنيين”.
ورغم هذه الأدلة الدامغة، لم يشهد التاريخ سوى قصة صفقة، ففي أيلول 2013، وبعد تهديدات عسكرية أمريكية، وافق نظام الأسد المخلوع على الانضمام إلى معاهدة حظر الأسلحة الكيميائية، وتفكيك ما أعلن عنه من ترسانته الكيميائية (1300 طن) مقابل تجنب الضربات العسكرية، لكن تقارير أممية ودولية عديدة أكدت لاحقاً أن النظام احتفظ بجزء من مخزونه ولم يُتلفه بالكامل، واستمر في استخدام السلاح الكيميائي في مواقع أخرى مثل خان شيخون عام 2017 ودوما عام 2018.
المطالبة بالعدالة
تمر اليوم الذكرى الثالثة عشرة للمجزرة في ظل ظروف مختلفة، فهي المرة الثانية التي تُقام فيها هذه الذكرى بعد سقوط نظام الأسد البائد، مما أعطى الآمال دفعاً جديداً في إحياء ذكرى الضحايا والمطالبة بالعدالة.
في كل عام، يجدد السوريون ذكرى مجزرة الغوطة لتظل حية في الذاكرة، ليس فقط كجرح وطن، بل كدليل على فشل المجتمع الدولي في حماية المدنيين. وقد أكدت منظمات حقوقية سورية أن حالات الإفلات من العقاب شجعت النظام على تكرار جرائمه، وأن محاسبة الجناة واجب إنساني وقانوني لا يسقط بالتقادم . ويبقى السؤال الأكبر: هل ستتحقق العدالة أخيراً لمن اختنقوا وهم نائمون، بينما شاهدهم العالم صامتاً؟






