أكد حاكم مصرف سوريا المركزي محمد صفوت رسلان، خلال كلمته في اليوم الثالث من المؤتمر الوطني الأول لحوار القطاع الخاص السوري، أن المصرف يعتزم تطوير وتفعيل أدوات السياسة النقدية بصورة تدريجية، مشدداً على أن “دعم المشاريع الإنتاجية هو دعم الاستثمار وفرص العمل”، وأن “المرحلة القادمة تحتاج إلى شراكة بين الدولة والقطاع الخاص”.
وأضاف في كلمته اليوم الأربعاء، أن المصرف يعمل باستمرار على تعزيز الاستقرار النقدي والمالي، وتطوير البنية المصرفية، وتحسين الخدمات المالية وأنظمة الدفع، بما يساعد على بناء أكبر بيئة للأعمال في سوريا.
ويأتي هذا التصريح في ختام مؤتمر استمر ثلاثة أيام وضم وزراء الاقتصاد والمالية والنقل والزراعة، وممثلين عن القطاع الخاص، وخبراء دوليين، ما يعكس رؤية واضحة للسياسة النقدية في المرحلة القادمة، ويشير لرغبة في إصلاحات تدريجية تهدف إلى استقرار الليرة، وتشجيع الاستثمار، وتحفيز النمو.
تطوير أدوات السياسة النقدية تدريجياً
أعلن رسلان عن “تطوير وتفعيل أدوات السياسة النقدية بصورة تدريجية”، ما يعني أن المصرف المركزي يخطط لسلسلة من الإجراءات المتدرجة التي تسمح للسوق بالتكيف، وتجنب الصدمات.
وتشمل الأدوات التي سيطورها سعر الفائدة حيث يتم استخدامه للتحكم في السيولة والتضخم، وربما خفضه لتشجيع الاقتراض، أو رفعه لجذب المدخرات، وعمليات السوق المفتوحة من بيع وشراء لأذون الخزانة والسندات الحكومية لضخ أو سحب السيولة، كما تشمل متطلبات الاحتياطي الإلزامي عبر تحديد نسبة من ودائع البنوك يجب الاحتفاظ بها لدى المركزي، للتحكم في قدرتها على الإقراض.
ومن الأدوات التي تستخدم عادة التدخل في سوق الصرف عبر بيع أو شراء العملات الأجنبية للتأثير على سعر صرف الليرة، وأدوات أخرى مثل الإقراض بضمان، وضخ السيولة الموسمية، وهذه الأدوات إذا استخدمت بشكل مناسب، يمكن أن تساهم في استقرار الأسعار، ودعم النمو، وتوفير بيئة اقتصادية يمكن التنبؤ بها.
الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص
أكد رسلان أن “المرحلة القادمة تحتاج إلى شراكة بين الدولة والقطاع الخاص”، وهو نفس المبدأ الذي أعلنه وزير المالية ووزير الاقتصاد في اليومين السابقين، وهذه الشراكة تعني أن الدولة ستوفر البنية التحتية، القوانين العادلة، الاستقرار، والتمويل الأولي، فيما يقود القطاع الخاص الاستثمارات، ويخلق فرص العمل، وينتج السلع والخدمات.
وتتم الشراكة بين الحكونة والقطاع الخاص في المجال النقدي والمصرفي عبر تشاور المركزي مع البنوك التجارية والمقرضين قبل إصدار قرارات تؤثر عليهم، وتوفير السيولة للبنوك التي تمول المشاريع الإنتاجية خاصة الصغيرة والمتوسطة، وتقديم تسهيلات للشركات الناشئة، وتبسيط إجراءات فتح الحسابات وتحويل الأموال.
وتهدف هذه الشراكة إلى تحويل الاقتصاد السوري من اقتصاد موجه حيث تقرر الدولة كل شيء إلى اقتصاد سوق اجتماعي حيث تتحرك قوى السوق، لكن الدولة تصحح وتدعم.
ولفت رسلان إلى أن “دعم المشاريع الإنتاجية هو دعم الاستثمار وفرص العمل”، ما يعني أن المركزي سيشجع البنوك على توجيه الائتمان نحو القطاعات الإنتاجية من زراعة، صناعة، بناء، طاقة، ونقل، بدلاً من القطاعات التجارية أو الاستهلاكية مثل الاستيراد، والعقارات، والخدمات، عبر توجيه القروض بأسعار فائدة تفضيلية، وضمان جزء من القروض للشركات الصغيرة والمتوسطة، وإطلاق مبادرات تمويل مشتركة مع البنوك، وتخصيص حصة من محفظة الائتمان للإنتاج.
تحديث البنية المصرفية وأنظمة الدفع
تعهد حاكم المصرف “بتطوير البنية المصرفية وتحسين الخدمات المالية وأنظمة الدفع”،حيث إن البنية المصرفية السورية تعاني من تقادم أنظمة تكنولوجيا المعلومات، وضعف الأمن السيبراني، وتركيز جغرافي في المدن الكبرى، وضعف الشمول المالي فنسبة كبيرة من السوريين لا يملكون حسابات مصرفية، فضلا عن نقص الكوادر المدربة.
ويشمل التطوير تحديث المراكز الرئيسية للبنوك (Core Banking Systems) بما يتوافق مع معايير بازل، وإطلاق خدمات مصرفية عبر الهاتف المحمول (محافظ إلكترونية، دفع فواتير، تحويلات)، وتوسيع شبكات الصرافات الآلية ونقاط البيع، وتدريب الموظفين.
وكان المؤتمر الوطني الأول لحوار القطاع الخاص الذي نظمته وزارة الاقتصاد بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والدعم الياباني، قد ناقش أربعة محاور رئيسية في يومه الثالث: تعزيز التجارة العابرة للحدود بين سوريا والأردن، وتوسيع الوصول إلى التمويل للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتأسيس التعاون بين القطاع الخاص والمؤسسات المالية الدولية، وربط الاستقرار الاقتصادي بالعدالة والتماسك المجتمعي.






