أكدت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا أنها تواصل العمل على كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها النظام البائد، وفي مقدمتها قضية الدكتورة رانيا العباسي وأطفالها الستة، والتي تعد واحدة من أكثر القضايا الإنسانية إيلاماً في الذاكرة السورية.
وشدد مدير إدارة المحاسبة والمساءلة في الهيئة المحامي رديف مصطفى، في تصريح لوكالة سانا على أن كشف مصير العائلة لا يشكل نهاية الملف، بل بداية لمسار متكامل يهدف إلى كشف الحقيقة كاملة ومحاسبة جميع المتورطين، مؤكداً أن هذه الجريمة ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية، وتستوجب ملاحقة كل من أمر أو حرّض أو شارك أو سهّل أو امتنع عن منع وقوعها.
وتأتي هذه التصريحات بعد أيام من إعلان الهيئة ووزارة الداخلية عن العثور على أدلة تؤكد مقتل الأطفال، وتسلم 29 مقطع فيديو من حاسوب أمجد يوسف، مما يعكس جدية الدولة في تطبيق العدالة الانتقالية وعدم إفلات أي مجرم من العقاب.
جريمة مركبة
أكد مصطفى أن القضية ليست مجرد جريمة قتل، بل “جريمة مركبة تجمع بين الاعتقال التعسفي والقتل خارج إطار القانون”، وهذا يعني أن العائلة اختطفت أو اعتقلت تعسفياً دون أمر قضائي، ودون تهمة، ودون محاكمة، ثم قتلت خارج إطار القانون أي دون محاكمة عادلة، وغالبا بعد تعذيب.
ويعتبر هذا السلوك من أبشع انتهاكات حقوق الإنسان، وجريمة ضد الإنسانية بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وتصنيف القضية كجريمة ضد الإنسانية يرفع من شأنها، ويمنع سقوطها بالتقادم، ويسمح بملاحقة القادة الكبار حتى لو لم يشاركوا مباشرة، لأنهم مسؤولون عن سياسات النظام.
وأوضح مصطفى أن “المساءلة لن تقتصر على المنفذين المباشرين، بل ستشمل كل من أمر أو حرّض أو شارك أو سهّل ارتكاب هذه الجريمة، أو امتنع عن منع وقوعها رغم امتلاكه الصلاحية القانونية أو الوظيفية”، وهذا مبدأ “المسؤولية الجنائية الفردية” و”مسؤولية القائد” في القانون الدولي.
وبموجب هذا المبدأ، يمكن كل مز ثبت أنهم كانوا يعلمون بالجرائم ولم يمنعوها، أو أنهم أصدر أوامر أدت إليها، وفي قضية رانيا العباسي، التي وقعت عام 2013، من المحتمل أن تكون أوامر الاعتقال صدرت من مستوى عالٍ كفرع الأمن السياسي أو المخابرات الجوية أو مكتب الأمن القومي، وقد تصل السلسلة إلى ماهر الأسد أو بشار نفسه.
مسارات العدالة الانتقالية الستة
أكد مصطفى أن العدالة الانتقالية في سوريا تقوم على ستة مسارات رئيسية تعمل بشكل متواز ومتكامل عبر كشف الحقيقة والمحاسبة والمساءلة، والإصلاح المؤسسي من خلال تطهير مؤسسات الدولة من الفاسدين والمتعاونين، وإعادة بناء الثقة، وضمان عدم تكرار الانتهاكات وإصلاح القوانين، تدريب الكوادر، مراقبة حقوق الإنسان، وحفظ الذاكرة الوطنية، وبناء السلم الأهلي.
وهذه المسارات تغطي جميع جوانب الانتهاكات منذ 1970 حتى سقوط النظام البائد، وتهدف إلى إنصاف الضحايا، وكشف الحقيقة، ومحاسبة الجناة، وترسيخ سيادة القانون، ومنع تكرار المأساة.
رفض الانتقام والتعميم
شدد مصطفى على أن “مسار المحاسبة لا يقوم على الانتقام أو التعميم، وإنما على المسؤولية الفردية”، وهذا مبدأ أساسي في العدالة الانتقالية، أي أننا لا نحاسب كل من عمل في النظام لأن الكثيرين اضطروا، أو تعاونوا تحت الإكراه، أو قاموا بواجباتهم دون ارتكاب جرائم، بل نحاسب فقط “كل من ثبتت مسؤوليته عن ارتكاب الجريمة أو إصدار الأوامر بها أو تسهيلها أو التستر عليها”.
وهذا يؤكد أن العدالة لن تتحول إلى انتقام جماعي أو تصفية حسابات طائفية، كما أن تتبع “تسلسل القيادة وصولاً إلى أعلى المستويات” يعني أن كبار القادة لن يفلتوا من العقاب، حتى لو كانوا في الخارج.
وكانت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، قد أصدرت تقارير عن جرائم النظام في السجون، وتعاونت مع منظمات حقوق الإنسان الدولية، واستلمت شهادات من آلاف الضحايا والناجين، وساعدت في اعتقال بعض الجناة، فيما تحظى قضية رانيا العباسي بأولوية خاصة.






