بعد أعوام الجفاف القاسي والتهجير التي حصدت آلاف الهكتارات وحولت الأراضي الخصبة إلى صحارى قاحلة، انتظر الفلاحون في سوريا موسم هذا العام بفارغ الصبر، حيث هطلت أمطار غزيرة بكميات تجاوزت المعدلات السنوية في معظم المحافظات، وبدت البوادر إيجابية، وعاد الأمل بتعويض الخسائر الماضية.
لكن سرعان ما تحولت هذه الأمطار في بعض الأراضي إلى نقمة، إذ تحولت الرطوبة العالية إلى بيئة خصبة لانتشار الأمراض الفطرية، بينما تواصل غلاء أسعار المدخلات (الأسمدة والمحروقات) تعقيد المشهد، لتبقى معاناة الفلاح السوري مستمرة رغم سقوط المطر.
الفلاحون بين فكي الرطوبة والجفاف
في معظم مناطق البلاد، حيث جرت السيول على المزروعات نتيجة العواصف المتكررة، لم تقتصر الكارثة على الغرق، فمع ارتفاع منسوب الرطوبة، ظهرت بوادر أمراض فطرية في جذور وأوراق المزروعات.
ويقول مهندسون زراعيون وفلاحون إن كميات الأمطار التي اقتربت هذا العام من ضعف المعدل الطبيعي في عدة مناطق أدت إلى تدنٍ في درجات الحرارة وارتفاع حاد في الرطوبة، مما سبب تعفن المحاصيل وانخفاض الإنتاجية، وخاصة في الأراضي المنخفضة، إضافة إلى تفشي أمراض تصيب المزروعات نتيجة التقلبات المناخية.
يشرح المزارع أبو محمود من ريف حلب، في حديثه لحلب اليوم، كيف أن المزروعات بشكل عام تحتاج للشمس كما تحتاج للمطر، لكن توالي المنخفضات هذا العام، حرم المزروعات من ذلك، حيث تحتاج الأورواق إلى أشعة الشمس لتركيب اليخضور وزيادة النمو والقوة والقدرة على مقاومة الأمراض، أما توالي الغيوم والأمطار ينتج مزروعات ضعيفة المقاومة تجاه الأمراض.
كما أن ارتفاع الرطوبة المستمر – يضيف المزارع الخمسيني – يسبب تعفنات في الساق، وأمراضا فطرية، ونموا للأعشاب الضارة، مما أضر بالعديد من المحاصيل، خاصة: الكمون وحبة البركة واليانسون والكزبرة والعدس.
يضاف إلى ما سبق ارتفاع تكاليف الإنتاج نتيجة غلاء الأسعار، وارتفاع أجرة اليد العاملة، حيث إن اتجاه العمال للبناء بعد التحرير مع حركة إعادة الإعمار سبب نقصا في اليد العاملة، إضافة إلى توجه العديد منهم للانتساب إلى قوى الأمن والجيش، ما أدى لارتفاع أجرة العمال مع قلة أعدادهم.
هذا الواقع دفع الفلاحين إلى تكبد أعباء إضافية لم تكن في الحسبان، ففي الوقت الذي كانت فيه الأرض بحاجة إلى تجفيف وتهوية، وجد المزارع نفسه مضطراً لرش المبيدات بمعدلات مضاعفة، ما زاد الأعباء المالية بشكل كبير.
ويقول الفلاح عبد الله من ريف إدلب، إن الغلاء طال كل شيء، من أكياس التعبئة إلى أجور العمال، ثم المحروقات والمبيدات حتى باتت “خسارة في خسارة”.
ويحذر خبراء من أن المزارع قد يتجه لزراعة محاصيل غير استراتيجية أو هجر الأرض، فبعد سنوات من النزوح والدمار يواجه اليوم خطراً جديداً يتمثل في عدم الجدوى الاقتصادية، حيث يجد الفلاح السوري نفسه هذا العام في مواجهة معادلة مستحيلة، تهدد بتحويل موسم الأمطار الخير إلى آخر مواسمه في هذه المهنة المتعبة.





